اليمن.. و الموت قبل الحياة



اراد استئذان أمه بالخروج ، يريد رؤية الدنيا ، اشتاق للحياة بكل مواجعها ، تحتضنه ، و لا تكف عن التربيت عليه بحنان ، يركلها بعنف لتسمح له بالخروج ، و هي لا تزيد عن القول : سيأتي وقتك ، لا تستعجل رزقك ، كل شيء بأوانه.. فلا يقطع ركلاته عنها ، و هي لا ترد بغير الابتسام..



زاد وقع ركلاته عليها و لم تشتكيه ، لكنها لم تفهم أنه يريد أن ينبهها فهو لا يعرف لغة الكلام و لا يعرف وسيلة أخرى غير الركل للاتصال بأمه ، كان كالذئب حين يستشعر بزلازل الأرض فيأخذ صغاره إلى مكان آمن، أراد أن يقول لها مع كل ركلة أنا أستشعر بالخطر القادم، دعيني أخرج لأحميك، دعيني افتديك يا أمي، لكنها لم تفهمه، لم تستوعب وقع ركلاته..

خرجت رشا من المنزل تحمل كاميرتها ، ركبت السيارة مع زوجها محمود المتزين بقلمه ، اشتكت له ركلات ابنها الجنين التي كثرت هذه الأيام و زاد عنفوانها صباحاً ، انحنى محمود نحو بطن رشا و حدث الصبي : اهدأ أيها البطل، لا تستعجل وقتك ، فأوجاع اليمن تنتظرك.. فركلة الصبي في وجهه فنهض يمسك خده و صاحت رشا من الألم ، فصااح محمود : يالله على ضبحة في هذا الولد..

ضحكت رشا ضحكتها الأخيرة ، نظرت إلى محمود نظرة الوداع، ثم حدقت على الطريق ، فتحت فمها وضعت يدها اليمنى على خدها و الاخرى تحتضن بطنها والصبي، رأت ذئاباً بشرية على حافة الطريق ، مصاصين دماء يمسكون بجهاز صغير و على رأسه زر احمر و يلوحون به عليها، لم تستوعب ، فجأة بووووووم ، دخان يغطي المكان، و شظية رعب انطلقت مع اللهب نحو بطن رشا، رفع الصبي يديه ليتلقف الشظية الحديدية و يحمي أمه، قطعت الشظية بطن أمه، خرج فرأها لأول مرة و الحريق يأكل ملامحها، أراد أن يبكي و يأخذ نفس الحياة، لكنه بصق ماء رحمها على مصاصين و آثر الموت معها..

ليحكي لنا قصة البطل الذي مات قبل أن يرى الحياة.. و تلك قصة اليمن تختصرها قصة مقتل الصحفية رشا و ابنها الجنين مع زوجها محمود العتمي..حيث قتلت وهي حامل في تفجير ارهابي في مدينة عدن.. 



تعليقات