تأخذك الأيام و أحياناً تسوقك الظروف لتدخل في نقاش من تلك النقاشات التي تثير اسئلة لها إجابات جاهزة تتداولها الأجيال، دونما إعادة تفكير فيها، و عندما تحاول النقاش فيها أو أن تجيب بغير السائد، فإن أسهل رد عليك سيكون : خلك من زيادة الفلسفة.. كأن يسأل أحدهم عن سبب الانحطاط الذي نعيشه؟ ، تجد الإجابة جاهزة : " نحن في هذا بسبب ذنوبنا "، هكذا اجمالاً بسبب ذنوبنا، و تجد الخطباء يخطبون بهذه المنهجية و بهذه العمومية الفجة، حتى تجعل البعض يدخل في أزمة نفسية لأن الأمة انتكست بسبب أنه أعجب بممثلة في مسلسل..
و لمناقشة مسألة الذنوب فلابد أن نقسمها ، فالمقولة السابقة صحيحة إذا وضعنا كل شيء مكانه ، و اتضحت لنا المفاهيم و المعاني ، فالذنوب تنقسم حسب مستويات من يقترفها ، كالذنوب الفردية و التي يعود أثرها على الفرد وتخصه وحده ، وهناك الذنوب الأسرية مثل سوء تربية الأولاد و تعود بأثرها على الأسرة ، و هناك الذنوب المجتمعية مثل غلاء المهور و تعود بأثرها على المجتمع كاملاً ، و كذلك الذنوب الحضارية التي تخصنا كأمة و تعود بأثرها على الأمة كلها..
ومن الذنوب الحضارية التي اقترفناها و كانت سبب انتكاستنا ، أننا أهملنا العلم و التعليم فخسرنا و انتكسنا في ميدان معركة العلوم ، أصبحنا تابعين مرهونين لخصومنا لأننا نستورد منهم كل ما انتجته عقولهم المتعلمه، أذنبنا بعدم انشاء المعامل اللازمه لاستيعاب العقول المفكرة، اذنبنا بعدم اهتمامنا بالبحث العلمي فهاجرت العقول المفكرة و انهزمنا بهجرة العقول التي استوعبها و رعاها خصومنا فتقدموا و انتكسنا..
أذنبنا عندما لم نهتم بانشاء محطة فضائية لننهزم في معركة الفضاء ، انهزمنا في المعركة القتالية لأننا لم نهتم بإنشاء الجيش كمؤسسة لتحمي الدولة لا لتحمي السلطة ، انهزمنا إعلامياً لأننا ابتلينا بمن أثار تساؤل الحلال و الحرام مع ظهور الوسائل الإعلامية و جعلنا نستورد برامجنا مثل برامج الاطفال التي قيدتها فتوى حرمة الرسوم..
و هكذا نجد أننا انكسرنا بسبب ذنوبنا الحضارية، لا بسبب ذنوبنا الشخصية والفردية، إذ أن القول اننا انهزمنا بسبب ذنوبنا الفردية هو قول ينافي مبادئ العدالة الالهية التي تقول :" أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " .. الذنوب الحضارية التي جعلتنا نتردى في سلم الانحطاط..
مانعيشه من ظلم هو بسبب غياب تأسيس العدل و عدم الاهتمام بترقية القوانين و التشريعات و استقلال القضاء وتأهيل القضاة و توفير الكفاية اللازمة لهم ، نعيش ما نعيشه لأننا لم نبني دولة مؤسسية تحمي الحقوق ، أساسها العدل و المساواة ، وشعارها تنمية الانسان لا السلطان..
تنازعنا السلطة فسقطت الدولة ، لأننا لم نجد حلاً ناجعاً لمسألة التداول السلمي للسلطة منذ زمن مابعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فظللنا نتحارب إلى اليوم على كراسي السلطة ، وبدلاً من أن نبحث عن كيفية تنظيم مسألة التداول السلمي للسلطة ذهبنا نتنازع الحق في السلطة، فضاعت 1400 سنة و نحن نقاشاتنا في غير النقطة الأساسية..
و هكذا ضعنا و انتكسنا، لأننا لم نسعى لتأسيس حضارة ملتزمة بالقوانين الحضارية، تلك القوانين التي اعتبار تغافلها ذنباً يوجب العقوبة ، و لم نربي الأمة على الأخلاق الحضارية التي سأناقشها في موضوع آخر ..
الكاتب : عمار قائد التام
#تخديرة
تعليقات
إرسال تعليق