سعمة الحياة ح ٥

 





سعمة الحياة - ٥ - 


خرج الحاج يحيى من المسجد بعد صلاة الفجر وهم يهمهم بدعاءه اليومي : يالله اليوم ارضى علينا وعلى والدينا، ياالله يا من دعاك إد له، ومن عصاك حندلة.. يلحق به جاره سعيد : الحمدلله على السلامه يا حاج يحيى، سفراً من قريب و حاجة منقضية، هيا خبرني كيف حال ام صالح..

يتنهد الحاج يحيى : ايه ايه يا حاج سعيد، على نفس الحالة لا تتكلم ولا تقوم ، لفيت بها على كل الاطباء ولا فايده ، الحالة الحالة، والآن قدك بتشوف حالي ، لو كنت زوجت بناتي للقرية كان قدمين العون لي في رعاية امهن ، و صالح الله يحفظه لازم يرعى تجارتنا و مزارعنا ، ولكن ربك بيعين..

يستمر طريقهم بين مزارع العنب المبنية بالاحجار المتراكبة فوق بعضها بدون الاسمنت، مشيتهم تتهادى في عتمة الصبح، تفترق طريقهم، يواصل الحاج يحيى طريقة إلى بيته الذي يقع على مقربة من طريق المدينة..فتح باب الحوش، لفت انتباهه سيارة شاص تقف فجأة على الطريق ثم تغادر المكان بسرعة، لاحظ انه ألقي منها شيء بين الاشجار ، حاول أن يتغافل عن الأمر، مد رجله اليمني لدخول البيت لكنه سمع أنيناً من بين الاشجار، يتحرى فيسمعه مرة أخرى ، يذهب مسرعاً إلى مصدر الصوت ، فإذا شاب عشريني مرمي على الأرض بثياب ممزقة ووجه متورم وعيون منتفخة..

الحاج يحيى أثناء تفقده : من أنت ياولدي؟ ، ليش رموا بك هنا؟، والشاب لايزيد عن الأنين ، تلفت الحاج يحيى حوله، أدرك لوحاً من الخشب، احضره ووضع عليه الشاب وسحبه إلى داخل البيت، إلى ان وضعه في ديوانه، مقابل الزاوية التي ترقد عليها زوجته ام صالح ، كي يتمكن من رعايتهما في نفس الوقت.. بدء يحدث زوجته عن القصة بدون تفاعل منها ، وضع لحافاً على الشاب و وسادة تحت رأسه، يهدأ بعدها الشاب ويستسلم للنوم، ينام نومة طويلة لم يفق منها الا في صباح اليوم التالي، يستيقظ يأكل الأكل الموضوع بجانبه ثم يستسلم للنوم مرة أخرى كمن لم ينم من شهور.. 

رغم تملك الحيرة من الحاج يحيى إلا أنه لم يستطع ان يبوح بأمر الشاب لأحد في القرية حتى يعرف شيئاً عنه.. 

يستيقظ الشاب في اليوم الثالث، حدق في العجوز المنطرحة بجواره أثناء تحديقها فيه، خف تورم وجهه، استعاد شيئاً من عافيته.. فرح الحاج يحيى باستيقاظه و بادره بالسؤال : من أنت يا ابني و ايش قصتك؟

الشاب : ما ادري..

الحاج يحيى : طيب ايش اسمك أو من اين انت؟

الشاب : ما ادري..!

أدرك حينها الحاج يحيى أن الشاب فاقداً للذاكرة، ورغم حيرته وخوفه إلا أنه فرح بالشاب كثيراً، اعتبره جزء من العوض و الانيس للوحشة في هذه الدار الكبيرة له ولزوجته.. عانى من شرود ذهن الشاب وعدم تفاعله معه كلما حدثه .. 

كان الشاب دائم الشرودد بذهنه، كثير التحديق في نقوشات سقف الديوان الطويل و زخرفته الباذخة ، رغم خوفه ورهبتة لم ينفك يسأل نفسه السؤال الوجودي (من أنا؟)، يشعر بالرعب، تسري في جسده هزه تجعله يحدق في المجهول، يهرب إلى ذاكرته لإيجاد إجابة ، فيجد فضاء لا يوجد فيه سوى الحاج يحيى و زوجته و عالم محصور بأطراف ديوانهما ، يعيد محاولة التذكر فلا يجد سوى المجهول، فيضع لحافه على رأسه و يبكي.. 

مرة من المرات شد انتباهة المكتبه التي تم تصميمها وتنفيذها بعناية فائقة داخل بناء الجدار الداخلي للديوان ، حدق الشاب في كتبها متفحصاً عناوينها، حتى وصل إلى مجموعة من المجلدات الخضراء، توقف عندها كثيراً ، دخل الحاج يحيى اثناء حملقته في ذلك المجلد فسأله : هل تعرف كتاب شمس العلوم الذي ألفه نشوان الحميري.. ألتفت الشاب إليه فاتحاً عيونه، فاغراً فمه، صمت قليلاً، ثم أطلق ضحكة مدوية احتضن معها الحاج يحيى وصاح : أيوه نشوان ، اسمي نشوان، اسمي نشوان يا عم يحيى، ثم يرقص كمن امتلك الدنيا، رجع إلى أم صالح، احتضنها بقوة، هز كتفيها ضاحكا : أنا نشوان يا ام صالح.. شد انتباهه ابتسامة صغيرة لأم صالح تترافق مع دمعة تسقط من عينيها، تجاهل ذلك لكي يكمل فرحته.. 

الحاج يحيى : الحمدلله يا نشوان ولدي، مادام رجعت لك ذاكرتك، أيوه نشوان ابن من؟ ،من أين أنت ؟، وايش حصل لك؟ 

نزلت تلك الاسئلة على نشوان كالصاعقة وهو يجيب عليه : ما ادري..! 

خرج الحاج يحيى وهو يضرب يديه ببعض مردداً : لا حول ولا قوة إلا بالله.. رجع نشوان إلى أم صالح و عقله الباطن يخرج منه الدكتور، بدأ يتفحص منعكسات ارجلها العصبية، وجدها شبه طبيعية ، غمره الفرح فانكب على نفسه يتحدث معها :

- انه ليس شلل حقيقي، انه شلل نفسي..

- لعلها تعرضت لصدمة عاطفية مؤلمة، افقدها ذلك النطق و الحركة.. 

- يالله، أي حدث يجعل أماً تنكفئ على نفسها كارهة للحياة.. 

- سأكون علاجها ان شاء الله.. 

- و لكن من أين أعرف كل هذه المعلومات، ماهو عملي، لماذا اعرف الكثير عن مرضها و علاجه؟ هل أنا طبيب؟.. 

- دعك من هذه الاسئلة و لنركز في تحسين الحالة النفسية لأم صالح.. 

أقبل الحاج يحيى يحمل الغداء من بيت الجيران، رأى وجه نشوان يشع بالبشر، بادره نشوان : ياعم يحيى من متى و أم صالح بهذه الحالة؟ 

الحاج يحيى : قبل شهرين زوجنا بناتنا فساءت حالتها، ولكن بعد ذلك باسبوعين انطرحت نهائياً و لاعاد كلمة ولا حركة.. 

نشوان : وايش حصل بعد زواجة البنات باسبوعين؟ 

الحاج يحيى : مافيش شيء مهم، إلا أن صالح ابني جاء أخذ عياله و زوجته و قرر العيش نهائياً في المكلا، لأنه ماعاد يقدر يسير ويجي مثل زمان.. 

أدرك نشوان السبب، فهرب إلى داخله.. أدرك أن ام صالح تشبهه، تحس مثله بالفراغ بكل حواسها، تشمه، تلمسه، تطعم مرارته ، تراه داخلها ، وتنغمس فيه فكرا بحاستها السادسة، تشعر بترهل اللحظات ، تحس بضجيج الصمت ، تتكاثر عندها الأسئلة كمعادلة انفجار نووية، تغيب معها الإجابات ويحضر اللاشيء.. يبحث المرء عن الاجابات في رأسه فلا يجد الا المزيد من الضياع، يعيش بين انطفاءات عقله حتى يصبح سجنا لا فكاك منه.. 

أدرك نشوان أن علاجها هو الرحلة التي سيكتشف معها نفسه، كيف؟، لا يدري! ، لكنه كان يشعر بذلك كلما اقترب منها ، كان يحتضنها ، يحدثها كإبن بار لها ، يقلبها، يجفف عرقها، يعطيها الأكل بيده، يقطف المشاقر كل يوم و يضعه على حجابها بجانب رأسها.. و الحاج يحيى لا يكف عن الدعاء له و هو يعينه في رعايتها، حتى اقتصرت مهمته على ادخالها الحمام و تغسيلها كل ثاني يوم كما ألزمه نشوان الذي لم يحدثه بالتحسن الطفيف الذي يلمحه في أحاديث عيونها.. 

يوم من الأيام، نهض نشوان و قبل رأسها، احتضنها، قَبَل يديها، بدء بتدليك اطرافها حتى وصل إلى قدميها، دلكهما و هو يحدثها ، تفاعل معها فرفع قدمها و قَبَّلها باكيأ وقال : لا أعرف أم لي غيرك، أنتي الجنة..لاحظها تسحب رجلها قليلاً حتى لا يُقَبِلها ، بدى له سحب قدمها كأنها حركة لفتح أبواب الجنة.. اشعل ذلك حماسه للاجتهاد أكثر في علاجها الفيزيائي و النفسي، وفي احدى الصباحات الجميلة ، فتح نشوان عينيه لتقع على عينيها و هي تبتسم ، نهض نشوان و هو يصبِّح عليها بالخير، سمعها تهمس، لم يصدق أذنيه، اقترب منها ليتأكد ان كانت تقول شيء، فاجأه قولها : صبحك الله بالخير ياولدي.. لم تسع نشوان الدنيا من الفرح، غسل وجهه، رجع إليها يحدثها بفرح و يدربها بحماس.. 

كانت أم صالح تحدث نشوان لوحده، شعر أنها تخصه بذلك فأخفى ذلك، قرر أن يتقدم خطوة في تدريبها ربما تستجيب، ساعدها على المشي، فإذا بها تحرك رجليها قليلاً ، ازدادت قوة عضلاتها مع الأيام، بدأت تتحدث معه احاديثاً قصيرة.. 

نشوان وهي تستند عليه : ايش أكثر شيء تشتاقي إليه يا ام صالح؟ 

أم صالح : اشتاق لبنتي أنيسة وبنتي بلقيس.. 

صعق نشوان ،  شعر بخفقان صدره بقوة، سألها : بناتك انيسة ومن..؟ 

ام صالح :  و بلقيس.. 

تسارع خفقان قلبه، لكنه لم يستطع إدراك السبب، ظل يركز على اسم بلقيس، يردده، ويسألها : هل تحبين بلقيس؟، متى ولدت بلقيس؟، هل تحبين بلقيس أكثر؟.. 

كلما دخل الحاج يحيى ترجع لحالتها السابقة، توجه نشوان إليه باقتراح الذهاب إلى المدينة لزيارة ابنتيه، فتهلل وجه أم صالح، حينها نهض الحاج يحيى واخبرهم بذهابه لتجهيز سيارته الصالون للسفر .. 

ارتفعت معنويات أم صالح برؤية بناتها ، ابتسمت لكنها لم تكلمهن ، و خلال رحلة العودة ، ظلت تحدق في نشوان الراكب بجانبها على المقعد الخلفي لسيارة الحاج يحيى الحديثة ، نظراتها أخبرت نشوان بالكثير.. تضع يدها على يده و تربت عليها عرفاناً بالجميل.. 

صباح اليوم التالي، استيقظ نشوان على صوتها تنادي : نشوان نشوان، أحس بقشعريرة غريبة من نغمة نطقها لاسمه ، تعود مع صوتها حرب الأفكار برأسه، فيتجاهلها و ينهض، تناديه : ساعدني امشي.. ساعدها، بدأت تمشي مستندة عليه.. حينها دخل الحاج يحيى ليصعق من هول المفاجأة، يرمي عصاه، و يخر ساجدا لله،  يحبو حبوا إلى تحت رجليها، يمسح عيونه ليتأكد أنه لا يحلم.. 

يمسك برجليها ويصيح : الحمدلله إني شفتك تمشي و ان صحتك عادت لك.. 

ام صالح : بفضل ابني وقرة عيني الذي انزله لي ربي من السماء.. 

نشوان : لكن وقع لي سقطة من السماء لما تكسرت عظامي ويضحك .. وضحكوا جميعاً.. 

تفاعل الحاج يحيى مع تحسن حالتها، أمرهم بالاستعداد للسفر إلى صنعاء لعرض ام صالح على طبيبها ، و عرض نشوان كذلك على الاطباء لمحاولة استعادة ذاكرته.. 

مع شروق شمس اليوم التالي كانوا في طريقهم إلى صنعاء، تلقى الحاج يحيى اتصالاً من أحد المستأجرين لعقاراته، أخبره أنه سيغادر البيت نهائيا هذا اليوم، اخبره الحاج يحيى أنه سيكون متواجداً في صنعاء هذا اليوم و سيلتقي به في المساء وانهى المكالمة ، على مشارف صنعاء اتصل الحاج يحيى بطبيب زوجته ، أخبره الطبيب أنه في المستشفى التعليمي ، ولكنه لا يمانع من رؤيتها هناك.. 

أسرع الحاج يحيى إلى المستشفى ، اتصل بالطبيب بمجرد وصوله، فأمر أحد الممرضين بالنزول إليهم  ليجلبهم إليه حيث يجلس مع طلابه.. قادهم الممرض إلى القسم ودخل إلى الطبيب يقود عربة عليها أم صالح، تفحصها الطبيب، تفاجأ من التقدم المذهل الذي حققته حالتها ، كتب لها بعض الادوية لمساعدتها في التعافي.. قاطعته أم صالح وهو يريد أن يودعهم : باقي معي ولدي نشوان اشتيك تشوفه يا دكتور وتساعده يتذكر.. كانت بلقيس بين الطلاب الحاضرين مع الدكتور، وما ان سمعت اسم نشوان حتى التفتت مرتجفة بعينين دامعتين..وافق الدكتور على طلبها.. 

حينها خرج الحاج يحيى مسرعاً من الباب ينادي : نشوان تعال يشوفك الدكتور.. 

دخل نشوان من باب القسم، فصاح الطلاب : واااو، وسقطت بلقيس على الأرض مغشيا عليها ، و الدكتور يصيح : نشوااااان..


#تخديرة🩺

تعليقات