سعمة الحياة ح ٧ الأخيرة

 





سُعمَة الحياة - 7 -

الحلقة الأخيرة


جلس نشوان في المكان المخصص له تغمره السعادة، حيث تكون السعادة شعوراً بالرضا للانجاز لا شعوراً بالرضا للواقع المعاش ، متأنقاً كأفضل ما يكون، يرتدي بدلة سوداء و ربطة عنق وردية لامعه أهدتها له بلقيس، يضع على رأسه قبعة التخرج، تتراقص مشاعره فرحاً مع الأغاني الصادحة في القاعة .. جلس بجانبه زميله علي الذي أصبح صديقه المقرب، ينظر لعلي و يحدث نفسه عن الصبر في العلاقات الانسانية كم هو كفيل اما بكشف الأقنعة أو اظهار النبل المدفون في النفوس القلقة، كفيل بأن يحيل العداوة صداقة عندما يسود العدل و المنطق، وليس الشر في الناس كما نظن، ففي القرب تنحصر دائرة الشر وتتسع دائرة الخير.. 

و يتذكر علي كيف انتشله نشوان من براثن اليأس و الإحباط بعد موت والده ، كيف قدم له يد العون في سنته الأخيرة لينجح بعد رسوبه لسنتين متتاليتين ،  ومع انسياب تلك الذكريات يحتضن نشوان و يقول له : شكراً لك لولا أنت بعد الله ما كانت هذه اللحظة.. سامحني.. 

نشوان : قد سامحتك من زمان من شان اشتري راحة بالي و متعة وقتي، لأن الحقد ونار الانتقام تؤذي صاحبها قبل ان تؤذي خصمه.. 

ينهض نشوان ويخرج لاستقبال الحاج يحيى الذي وصل بسيارته التي تتزين بتهاني التخرج ، تنزل ام نشوان تحمل طبقاً كبيراً من الفل و أم صالح تحمل طبقاً فيه قطع الشوكولاته الراقية، يصل حينها المعلم خالد و معه مجموعة كبيرة من مهندسي شارع الورشات، ثم قاموا بزفة نشوان إلى داخل القاعة، كانت أمه تزغرد و تنثر الفل، وأم صالح تزغرد و تقسم الشوكولاته على كل من مر بجانبهم.. 

خلال الحفل يتبادل نشوان النظرات مع بلقيس التي كانت تتباهى وتؤشر له أن ربطة العنق التي اهدتها له جميلة ، يشير إليها ممازحاً أن ربطة العنق غير جميلة لكنه اضطر إلى لبسها فقط لأجل الحب الذي فيها.. و يبتسم.. 

يستمر الحفل ، تأتي فقرة الحفل الرئيسية، يتقدم المذيع، تهدأ الموسيقى قليلاً يذيع : الآن نأتي إلى فقرة الاحتفاء بمن سهروا واجتهدوا لأجل قطف ثمرة جهودهم، نبدأ بالتكريم للخريجين الأوائل.. صفق الحاضرين و هتفوا وارتفعت أصوات الزغاريد.. 

المذيع : نبدأ بصاحب المركز الأول ، التفت الخريجين إلى نشوان يصفقون بحرارة ، عيونهم تشع بالفخر به وتألقه ، نشوان بدء بالتململ على كرسيه كمن يهم بالقيام فقط ينتظر سماع اسمه.. 

المذيع : صفقوا معي للرائع صاحب المركز الأول الخريج وسيم عبداللطيف، فصعق جميع الخريجين، شعر نشوان بالهيانة ، حتى وسيم نادى المذيع : مش هو أنا الأول هو نشوان، المذيع يؤكد انه لم يخطئ في شيء.. 

رمى نشوان الوردة التي كانت في يده، داس عليها وخرج من القاعه.. كان حارس الباب الخلفي يدخن، أخذ نشوان السجارة منه و دخنها وهو سينفجر من القهر .. وهكذا تستهلكنا تلك اللحظات التي نتسرع فيها بالحكم على شيء ما دون التريث، تجعلنا نخسر لحظات جميلة وابتسامات رائعة، وتلقي بنا وسط مشاعر الحرمان و توجس المؤامرات .. 

انتهى تقديم الخريجين ليأخذ رئيس الجامعة الميكروفون : أريد الخريج نشوان عبدالحميد هنا في المنصة.. الخريج نشوان عبدالحميد اريده هنا في المنصة..الخريج نشوان عبدالحميد..

يسمع نشوان اسمه، يرجع إلى القاعه ، يصعد ، يمسك رئيس الجامعة بيده و يقول : دعونا نحتفل بالعقلية الفذة، نحتفي بالعبقري الذي لم يمر على تاريخ الجامعة طالباً بمثل تميزه و تفوقه، اسمحوا لي بتقديم شهادة التميز الاكاديمي إلى الخريج الدكتور نشوان عبدالحميد، تضج القاعه بالتصفيق و يقوم الحضور إحتراماً و تقديراً لنشوان ،  يضيف : كما أعلن بتمام تعيين الدكتور نشوان معيداً في كلية الطب، كما أن الجامعة تتكفل بمنحة دراسية للدراسات العليا في أرقى الجامعات العالمية.. 

يصيح الحاج يحيى متفاعلاً من وسط القاعة : و أنا جباه مني سيارة.. و يصفق الجميع.. 

تنتهي نشوة الفرح فينتقلون إلى مصارعة الواقع منذ اليوم التالي ، سار نشوان وبلقيس في اجراءات المعاملة لبدء الفترة التدريبية (الامتياز) ، يتم تحويلهم إلى أكبر مستشفيات المدينة كي يكون قريباً من كبار الاطباء.. 

يبرز نشوان في حياته العملية كما برز في حياتة العلمية ، تتوسع دائرة علاقاته الانسانية بسرعة .. كيف لا، ونشوان من يجلس معه  يشعر بمعرفتة القديمة ، بسيط غير متكلف، تلقائي في أدب جم، متسامح عند من يستحق.. وبجانب زملائه، أحبه المرضى كثيراً لأنه يسمعهم، يجعلهم يتحدثون ولا يقاطعهم، فإذا قام بتشخيص المرض، شرح لهم طبيعة مرضهم بكلمات بسيطة وقدم معها نصائحه.. المرضى المرقدين في القسم الذي يتدرب فيه كانوا ينتظرونه بشوق في مواعيد مروره السريري الدقيقة جداً.. 

تقية امرأة ستينية مصابة بالسرطان، تحرك مسبحتها دائماً ولا تكف عن التسبيح ، أمر رئيس القسم برقودها في المستشفى بعد رفضها استكمال علاجها الكيماوي وانتكاس حالتها ، عين نشوان مشرفاً عليها، فبدء يمارس حيله السحرية عليها .. 

نشوان : ليش رافضة العلاج يا أمه تقية؟ 

تقيه: انا فدالك ياابني دام تدعيني امك، أنا يا ولدي خلاص اشتي ألاقي ربي.. 

نشوان : وليش تلاقي ربش، أو قد تعبتي منه؟ 

تقية : استغفر الله العظيم ، كيف ياولدي ما يصلحش هذا الكلام.. 

نشوان : بين اقصد ياأمه تقية انك تشتي تموتي لأنك تعبتي من قدر الله عليش بالمرض، فرفضتي العلاج.. 

تقية : وايش دخل العلاج ياولدي، انا انسانة مؤمنه.. 

نشوان: المرض قدر و العلاج قدر وكلهن من عند الله، فليش ترضي بجزء من القدر و تنسي الباقي.. 

تقية : بس يا ولدي.. 

نشوان يقاطعها : ولا بس ولا شي، يا أمه تقية اقبلي نواصل لك العلاج و الله ان ما ارضى لك الا ما ارضاه لأمي.. 

واصل نشوان مناوبته، اليوم التالي هو يوم راحته، وعندما رجع اليوم الثالث اخبرته الممرضة أن تقية أخذت العلاج الكيماوي ، اسرع إليها، طرق الباب مستأذناً، اظهر رأسه فقط ،و قال : سلام لش يا أمه تقية، الروح تفدا لش فدية، الله قد اعطاش لي هدية.. 

تقية تتربع وتبتسم رغم ارهاقها ، تقول: حيا بذي على البال و الخاطر، تعال تعال يا مصقري.. 

تقدم له علبة شوكلاته وباقة ورد، وتقول : قالوا لي ان بلقيس اللي تشوفني الصباح خطيبتك.. 

نشوان مبتسم : أيوه ، وادعي لي بأن ربي يسرع بزواجنا.. 

تقية : شيل هذه الهدية و روح قدمها لها.. لا تكون تهمل مشاعر خطيبتك ياابني وكون قدر بنت الناس لأنها أمانة عندك ، واحنا النسوان مسكينات قد بتشوف كيف لحست عقلي بكلمتين.. يقطع حديثهم دخول الممرضة وهي تقول : اتصلوا فيك من الطوارئ و قالوا ان اليوم مناوبتك.. يودع نشوان تقية و يذهب إلى الطوارئ، يعالج ذا ،ويخيط جرح هذا، وينقذ ذاك.. وبعد استراحة الغداء ادخلوا الطوارئ حالة على النقالة ، اسرع إليها فيتراجع من المفاجأة، لقد كان المريض هو الحاج مصلح أبو بلقيس ، كان غائباً عن الوعي ، تنفسه ضعيف، وضع سماعته على صدره ثم أمرهم بإرساله مباشرة إلى العناية المركزة .. 

تمر بعدها أيام من الترقب و التوجس و انتظار المجهول، ساءت الأمور بعد أن افتعل عبدالعزيز ابنه المشاكل بحثاً عن المستندات التي تخص أملاك والده ، لم يهتم بأبيه، كان واثقاً من موته، وصل به الأمر إلى ضرب أمه لكي تعطيه المستندات، أخذ مفاتيح الخزانة بالغصب، فتحها ولم يجد شيئاً، قالت أمه وهي تبكي : قد عمل حسابه لهذا اليوم و خرج بها قبل شهر ومش عارفه اين وداهن..

وهكذا الطمع يجعلنا نخسر انسانيتنا في أوقات الشدة، يدفعنا للبحث عن المصالح بدلاً عن التمسك بالقيم، يجرنا إلى نسيان العشرة و قطع شعرة الرجوع فلا يدع مجالاً لوضع احتمالية عودة المياه إلى مجاريها، فنبني على وهم كمن يبني قصرا على مجرى السيول، فلا تغدر به الأقدار و لكن شؤم أفعاله.. 

بلقيس تبكي بحرقة في غرفة استراحة الطبيبات، يأتي نشوان و يبشرها بحالة أبيها التي شهدت تحسن مفاجئ.. تمر أيام فيخرج إلى القسم العام، ويتولى نشوان رعايته كأنه ابنه، لا يغادر المستشفى حتى في وقت راحته، ظل ملازماً له حتى أخرجه من المستشفى.. 

أدرك الحاج مصلح أن حياته مهدده، فأراد أن يطمئن على مستقبل بلقيس، اتصل بنشوان فذهب إليه، اجلسه بجواره، ثم قال : يا ابني الآن تخرجتوا، و لابد ما نسرع بزواجتكم اشتي افرح.. 

نشوان : لكن يا عم مصلح.. 

الحاج مصلح : بدون لكن ياولدي، اسمعني للآخر، عارف انك تهم الديون الذي عندك لي، و فوقها بتهم مهر بلقيس، فانا باجيب لك الحل.. 

نشوان : هات.. 

الحاج مصلح : الوصولات التي عليك بنجمعها مع مهر بلقيس و توقع بها وصل لبلقيس ، و انت تعطيه لها متى ما رزقك الله.. 

عرف نشوان أنه يريد ان يطمئن على مستقبلها، فوقع لبلقيس تلك الورقة و اتفقا على ان يكون العرس بعد اسبوعين.. 

استيقظ نشوان في اليوم التالي متأخراً بسبب سهره حتى الفجر ، وجد البيت ممتلئا بأصدقائة المهندسين و الاطباء الذين دعاهم الحاج يحيى لتناول طعام الغداء و المقيل.. وقت المقيل قام الحاج يحيى و قال : جمعتكم اليوم هنا لأخبركم بخبر سعيد بأن عرس نشوان سيكون بعد اسبوعين ان شاء الله و احنا كلنا عايلته و عرسه سيكون في بيتي.. 

المعلم خالد مسرورا : هذا الكلام..! 

نشوان برأس منحني للأرض : بنختصر الامور.. 

الحاج يحيى : لا والله.. الا عرس يسمع به القاصي و الداني، كلنا غارقين في جمايلك، وكل ما بنفعله هو رد جميل.. 

وفي أوقات الشدة تجد ثمار جميلك رجالاً، أنقذهم نبلك في لحظة ضياعهم ، وصنع وشماً في قلوبهم يثيرهم ويحفزهم برد الجميل ولا يتعافون منه أبدا .. 

تمر الأيام و نشوان يعيش مع كل ثوانيها ، يوم الأربعاء أول ايام العرس صباحاً يأخذه اصدقاءه إلى الحمام، يمرحون و يمزحون، يأتي إليه أحد سكان الحارة و يقول له : يا نشوان مابش معي فلوس ارفدك، لكن انا بأهدي لك نصيحة رومانسية لن تجدها في كتب الطب التي درست.. استفز نشوان بهذا الكلام.. فقال له : هات قول ايش من نصيحة.. 

قال : يا ابني اعلم ان جسم المرأة اذا اردت أن تروضه فعليك ان تعرف مغاليقة.. 

نشوان : وايش هي مغاليقة؟ 

قال : مغاليقة الاحساسات.. ولكن كيف؟  وايش مفاتيح هذه المغاليق.. ياابني هناك مغلاق  احساسات الجسم كله و مفتاحها في الشفايف فابدء به.. و اعلم ان  مغاليق احساسات الجلد في اي مكان ثلاثة، مغلاق الاحساس السطحي و مفاتيحة اللمس و الشم، ومغلاق الاحساس المتوسط و مفتاحة القُبلة ، ومغلاق الاحساس العميق و مفتاحه المص.. و اذا اردت المتعة فابدأ من بعيد من متعة العين بالمظهر الانيق، ومتعة الأذن بالكلام الحالي، ثم تدرج و لا تقفز ابدء بالسطحي واشبعه و انتقل للمتوسط واشبعه و العميق و ارويه.. 

نشوان و هو مندهش من عمق معلوماته و هو فاتح فمه : هات هات، امانه انك طيبت نفسي.. 

الرجل : و اذا ترمسست مع زوجتك، فابدأ من طالع بالوجه، ثم اطل في الرقبة، ثم تنعم بالصدر ولكن لا تطيل، ولكن ان نزلت خطوة فلا ترجع لما فوقها فان الاحساسات العليا تنتهي بما هو أسفل و اقوى منها، ثم داعب البطن ليلة و الظهر ليلة، و لتعلم زوجتك كل ذلك لتفعل لك ما تفعل لها.. احس نشوان انه خرج من الحمام بوجبة رومانسية علمية كاملة.. 

في الليل حضر المهنئون وقد تحول حوش فلة الحاج يحيى إلى مخيم كبير ، تزاحم المحبين و الاصدقاء على السلام و الرقص، حتى جاءت لحظات الحناء ، دخل الحاج يحيى بصحن كبير ثبتت عليه الشمع و صورة نشوان و بعض الالعاب النارية المشتعلة، غنى الفنان :

علم حنا وا علم حنا 

وضع المعلم خالد دائرة صغيرة من الحناء في كفه، ووضع بعض الحناء على اصبع الخنصر، يصيح الفنان :وين محبي نشواان، وحقك يا نشوان 

صاح الجميع : حقك.. 

يوم الخميس، لبس نشوان الزي الشعبي و اخذ السيف على كتفه و زفه اصدقائه، جلس على منصة العريس، كان الجميع في أوج سعادتهم وفرحهم بنشوان، كان الكل يشعر أنه عرسه.. وبينما كان الناس في احتفالهم وفرحهم، رأى علي دخول عبدالعزيز اخو بلقيس و بجانبه شخص، بدء الشك يساور علي بدخوله فهو يعرف عبدالعزيز من مواقف سابقة تآمر معه على نشوان ، استغل معرفته السابقة بعبدالعزيز للقرب منهم ، رحب به عبدالعزيز و قال : أهلاً يا علي.. 

علي : من هذا الذي معك؟ 

عبدالعزيز : هذا الذي بايعمل الذي ماقدرت انا وانت عليه، هذا صالح ابن الحاج يحيى سرحت له للمكلا يجي لهذا الذي باياكل حقه و حق اخواته و بياكل حقي وحق اخوتي.. 

يستدرجهم علي إلى خارج المخيم و افتعل معهم مشكلة ، ثم تدور بينهم معركة حامية ،يصاب خلالها علي بطلق ناري ..

يأتي بعدها الحاج مصلح مع الحاج يحيى إلى نشوان، يخبروه أن بلقيس تنتظره في غرفته،  يأخذونه على انغام الزفة من البوابة الخلفية إلى عروسته بلقيس.. دخل إليها فإذا جمال يفوق الوصف ،احتضنها وتضاحكا واطفأ الشوق قبل النور و سبحا في عالم من الحب و اشباع الحنان..


#تخديرة 🩺

تعليقات