سعمة الحياة - ٣ -
الحلقة الثالثة
شعر نشوان بالذهول حين رأى بلقيس معه في كلية الطب و في نفس القاعة، لم يستطع استيعاب الموقف ، كان الفضول يغريه و الذهول يخنقه ، ينظر أمامه ثم يلتفت إليها - اكثر من مره - حتى بلغ ارتباكه مداه ، وبدون استجماع عقله قال : الحاج مصلح يعرف إنك هنا؟ وايش جابك هنا؟
بلقيس : تحسبنا قليل وإلا ايش ، أنا بلقيس بنت الحاج مصلح طالبة طب سنة رابعة..
يقطع حديثهما دخول المحاضر إلى القاعة ، قام بربط الفلاشه بكمبيوتر القاعه ، بدء يستهل حديثة عن أمراض القلب ، يسكت فجأة ، يحدق في أعلى القاعه، يصعد درجتين، كمن يتأكد من شيء ، يصيح : نشوااان ، نعم نشوان ، بدء يصفق و يقول : رحبوا معي بأكثر طلابي إحتراماً لنفسه وعلمه، رحبوا بزميلكم النبيه النبيل نشوان ، وقف الجميع لمعرفتهم به من خلال دفاترة التي تطبع وتباع في كشك العم حمود الواقع على باب الكلية ، يعرفونه من قصة توقفه عن الدراسة.. تأثر نشوان و جعل يمسح دموعه و الدكتور يأخذ بيده، يمران نزولاً خلال ممر شرفي صنعه الطلاب بتجمعهم على جانبي الممر وهم يصفقون بحرارة ، اوقفه عند المقاعد الأولى وقال : نشوان أنت مكانك هنا ، مكانك دائماً في الصدارة ، لا تستحي ولا تنحني لأن الحياة قست عليك ، فذلك ليس ذنبك ، ستصبح مخطئاً لو صدقت ان الحياة فعلاً تستطيع ان تكسرك ، نريدك أن تكون قوياً يانشوان، فأنت يوماً ما ستصبح في مكاني و إبني سيكون في مكانك..
يبدء الدكتور محاضرته مبتهجا كمن وجد ضائعة عزيزة على قلبه ، يشعر نشوان بسعادة كبيرة، يمسح دموعه المتساقطة لتلك المشاعر التي غمره بها زملاءه ، بينما كان يسترق النظر إلى نهاية القاعة ليشبع عينيه من حب حياته التي كانت تبادله النظرات بفخر..
انتهت المحاضرة ليذهب الدكتور إلى نشوان مصافحاً ، ثم يعطيه الكرت الخاص به طالباً منه عدم التردد في طلب أي خدمه ، عندها نزلت القاعه للسلام على نشوان، البعض يشكره ، والبعض يعرض المساعدة لاعانته على استدراك ما فاته.. ينفض الجمع فيصعد نشوان إلى بلقيس التي تتأمله بفخر
بادرها بالسؤال : كيف؟ ،ما قدرت استوعب إنك معي في نفس الكلية؟
بلقيس : وتحسب إن أنا حبيت نشوان الميكانيكي ، أنا حبيت نشوان طالب الطب ، أنا من اول يوم عرفتك في سنة أولى شعرت اني منجذبة إليك ، بعد انقطاعك بفترة شفتك أمام الورشة ، فرحت ، طلعت مباشرة فتحت الطاقة، حينها كانت أولى نظراتك ، مرت الأيام وانا اشتي اكلمك ، ولما سلمت عليَّ قلت : حان الوقت ، نزلت.. (دمعت عينها ورفعت يدها لتمسحها) نزلت اكلمك ان أنا زميلتك ، لكن صاحب الشاص الله يقصف عمره ( وضحكت) ، و الا لا..الله يخليه لعياله ، قطع علينا و ما سمح لي اكلمك..
قطع حديثهما طالب ينادي : نشوان انت مطلوب ، سيارة الدكتورة ما رضتش تشتغل ، نهض ضاحكاً وعينه على بلقيس يشتكي لها : ماهو هذا؟، بين الأطباء اشتغل ميكانيكي و بين الميكانيكيبن اشتغل طبيب..
وصل نشوان إلى سيارة العميد المعطلة الذي بادره بالكلام : و الله انه احراج يانشوان، انت تتجمل فينا و إحنا ما قدرنا نتجمل معك وقت زنقتك، خلع نشوان كوته ، طرحه على دفاتره على الرصيف ، اشار للعميد بفتح غطاء المكينة و هو يرفع كُم قميصه، أمره بتشغيلها ليحدق في المكينة ،أشار إليه لتشغيلها أخرى..
طلب نشوان مفتاح كلب ، أخذه ثم انحني على المكينة ليمارس سحره الميكانيكي عليها ، لم يطل حتى أغلق غطاء المكينة وضربه بيده : شغل!
يبتسم العميد : شكرا يا... لكن نشوان لم ينتظر كلمة الشكر منه، كان يعيد هندامه و ينظف يديه بالمناديل الورقيه ، فإذا صوتاً غاضب من وراءه : هيا ما رجعك الكلية يابنشري ، أنت مكانك في حفر الزيت مش في حدائق الكليات..
نشوان : ليش مكانك فاهم ان الكلية حديقة وان العمل عيب..؟
- اسمع لا تتفلسف ، احنا بقينا خريجين و باقي لنا سنة مش فاضين لهدارك ، إنما حساباتنا القديمة و الجديده بايجي لها يوم..
نشوان : ايش من حسابات يا علي، انا قلت بارجع وقد عقلت لكن لازلت ذاك..
علي : ايوه انا ذاك ، وانت عارف ابن من أنا..
ثم تقدم ووراءه اثنين من زبانيته، حتى اقترب بوجهه من وجه نشوان، قال ولعابه يتطاير : أنت كنت سبب في فركشة علاقتي مع مروة ، و اليوم ترجع خاطب بلقيس وانا بين احبها ، بعيد عليك انك تاخذها ، افرح لك بخطبتها، لكن بلقيس حقي وما احد بيتزوجها غيري لو تسير فيها روس.
نشوان : لا تظن ان أنا بخاف من تهديدك، ما يخاف إلا الذي يفعل العيفات ، ويكون بعلمك ان كل اظفور تحته دم ، وخلها في بالك إن أنا لا هين و لا لين، وانت اعمل الذي في راسك..
ينسحب نشوان من أمامهم، يحمل الكوت على كتفه متوجها للخروج من بوابة الكلية حيث تنتظره بلقيس التي كانت تراقب حديثه مع علي عن بُعد و هي تشعر بالخوف على نشوان أن يدخل معهم في عراك..
بلقيس : ايش يشتي منك مقصوف الرقبة؟
نشوان مبتسماً : خلينا من مقصوف الرقبة، انسيه، أنا معك الآن و أنتي معي.. اسمعي اسمعي، انا امس كتبت فيك شعر..
بلقيس وهي تشعر بالغبطة والسرور: هيا سمعنا يا روميو..
يتجهز لالقاء الشعر : احم احم..
بلقيس بنت الحاج مصلح
حياش يا قلبي و روحي
بين اذكرش سارح مروِّح
عند الغداء أو في صبوحي
توقفت بلقيس ماسكة على خصرها ، فتحت عيونها مستنكرة ..
نشوان : هيا كيف.. ؟
بلقيس مؤشرة بيدها تلك الاشارة الاستنكارية المعتادة من النساء : شلوك ، هذا شعر يجيبه واحد لخطيبته، هذا زامل يسرحوا به مهجم عند القبايل..
يحدق فيها نشوان مرخياً جفونه، يقفز إلى أمامها : إذن اسمعي للرومانسية من منبعها و أنشد :
بلقيس ..
أيتها الصديقة والرفيقة
والرقيقة مثل زهرة أقحوان
ضاقت بنا صنعاء، ضاق البحر
ضاق بنا المكان
بلقيس : ما أنت التي تتكررين
فما لبلقيس اثنتان
بلقيس يا آخر الملكات....
قاطعته بلقيس : يا آخر الملكات في شارع الورشات.. هو من جدك؟
نشوان : ماهو.. مابه.. مالك؟
ترد بلقيس بسرعة و حِده : هذه القصيدة قالها نزار قباني في رثاء زوجته بلقيس.. وانت عاد احنا بسم الله انخطبنا و قدك تشتي ترثيني..يعني أنا على كذا اتغزل فيك بقصيدة نشوان.. وبدأت تقلد الفنان الكبير محمد مرشد ناجي بغمغماته و تنشد :
نشوان لا تفجعك خساسة الحنشان
و لا تبهر إذا ماتت غصون البان
ونقضيها حنشان وعزاء و موت مابش مشكلة، او ايش رأيك يا عزي روميو..و اسرعت في خطاها تتغلى عليه ، كانت تضحك تحت براقعها و تكتم ، لم يفهم نشوان ضحكات عيونها بعد ، ظل يلاحقها باحترام حتى لا يفهم أحدهم انه يضايقها..
سارت خطاهما إلى أن وصلا الجولة، حيث يبدأ الزحام عند سوق القات الواقع على الشمال،و مطعم للاحياء البحرية الواقع على اليمين ، و مطعم للسلتة الصنعانية
الواقع في الجهة الاخرى ، يزداد الزحام بأصحاب الموتورات و يتبعهم باصات النقل الذين يقفون و يتسابقون على الركاب و ينادون بتلك الاصوات المميزة : شارع الورشات شااااررع الورشات.. حيث الونشات ووزن البوشات واصلاح البورشات.. حينها يفترقا ليركب كل واحد منهم في باص مختلف..
يستمر ذلك المشوار اليومي من باب الجامعة الى الجولة، تتسارع خطاهما واحيانا تبطئ، هو بذكاءه العلمي الفذ و غباءه العاطفي، وهي بنباهتها و ذكاءها الاجتماعي المبهر، كانت تحب بساطته، تلقائيته لأنها تقرأ حبه في ملامح وجهه ولغة جسده..
الزمن يمر وبلقيس ترعى وتتعهد حبهما الذي ينمو ويكبر ، ليمر الفصل الدراسي الأول ليحصد نشوان المرتبة الأولى كعادته ، وتنجح بلقيس بنتائج جيده جداً.. يستمر مشوارهما في شارع "شارعنا"، فقد اعتادوا على تسمية الشارع الواقع بين باب الكلية والجولة الذي يمتد لثلاثة كيلومترات بإسم " شارعنا"..
في آخر أيام امتحانات نصف الفصل الثاني ، كانت خطاهم تتثاقل، لأنهما لن يستطيعا الكلام لاسبوع الاجازة بعد الامتحانات النصف فصلية، وصلا نهاية الشارع عند الساعه الواحده والنصف ظهراً ، ذهب نشوان ليجلب الماء من البقالة التي بجانب مطعم المأكولات البحرية ،رجع بعد شراء الماء فلم يجد بلقيس حيث تركها، شعر بالرعب ، صارت ارجله ترتجف لتذكره تلك المشاعر المأساوية التي أحس بها في أول لقاء لهما ، انطلق مسرعاً الى السور الحديدي المحيط بالجولة، صعد عليه علّه يستطيع رؤيتها ، لمحها منحنية عند البوابة الثالثة لمطعم المأكولات البحرية، انطلق كالسهم ، وجدها تحتضن طفل عمره يقارب الاثني عشر عاماً وهي تحاول انقاذه ، الطفل متهيج و يسعل بصوت مزماري بينما تحاول تهدأته ، تناديه: أنا دكتورة اهدأ من شان اقدر اساعدك..
نشوان : ايش حصل ؟
أحدهم يبدو من خوفه وارتباركه انه والد الطفل : كنا نأكل السمك وفجأة بدأ يؤشر إلى رقبته، ثم سقط على الارض، وكأنها شوكة مغروزه في حلقة.. ثم ذهب والد الطفل و هو يقول : انتبهوا لولدي يامنعاه، انا باروح اقرب السيارة من شان اسعفه..
يغيب الطفل عن الوعي و بلقيس تنادي : نشوان، غاب عن الوعي..
يجس نشوان نبضه فاذا نبضه ضعيف جداً ، لم يستطع ادخال يده في فمه لتنظيفه ، انحنى ونزل بخده إلى أمام أنف الطفل ليتحسس اي تيار هواء بسيط يتأكد معه أن الطفل يتنفس، فلم يشعر بشيء ، الطفل بدا عاجزاً عن التنفس، أسفل رقبته في المثلث أعلى عظمة القص و بين التراقي بدء ينسحب الى الداخل، حاول نشوان اعطاءه نفساً ، أطبق فمه على أنف الطفل وهو يغلق بيده فمه، وجد ان صدره لا يتحرك ، إلتفت نشوان إلى بلقيس وقال : هذا الطفل يحتاج إلى فغر الرغامي ( فغر الرغامي : هو احداث جرح في الرقبة بغرض فتح القصبة الهوائية بمستوى اسفل الحنجرة للسماح بدخول الهواء للرئة متجاوزاً الحنجرة )..
بلقيس تهمس في اذن نشوان : هل تستطيع فعل ذلك..هل لديك المعلومات الكافية ؟
نشوان : لقد قرأت عنها و رأيت كم فيلم في اليوتيوب..
بلقيس : طيب، ايش العمل..؟!
نشوان يشير إلى الطفل : انظري الطفل لقد بدء في الازرقاق و نبضه يضعف، اما نجازف محاولين اسعافه أو سيموت بين أيدينا ..
لم ينتظر رد بلقيس ، تلفت حوله في الناس المحلقة و في الآخرين في المطعم، كأنه يبحث عن شيء ما، لمح رجلاً كبير السن يبدو من ملامحه و لبسه أنه بيضاني، انطلق إليه نشوان و أداره نحوه و أخذ منه سكيناً صغير يضعه البياضنة وراء جنابيهم لاستعماله عند الحاجة..
أسرع نشوان إلى الطفل، سأل بلقيس : هل يوجد معك قلم يصلح كأنبوبه؟
بلقيس : نعم.
نشوان وهو يضع يده اليسرى تحت رقبة الطفل و يرفعه قليلا : إذن جهزيه لاستخدامه كأنبوب..
قامت بلقيس بابعاد غطاء القلم و اخراج انبوبة الحبر من داخله ثم ابعاد السدادة اعلاه ليبقى كأنه أنبوب مفتوح الطرفين..
أحدث نشوان شقاً سريعاً و بحركة خاطفة في رقبة الطفل في منتصف المسافة بين الحنجرة و القفص الصدري، أدخل أنبوبة القلم في ذلك الجرح و بدأ ينفخ الهواء خلال الانبوبة فبدأ صدر الطفل يتحرك، كلما نفخ نفسا لاحظ تحسناً في نبض الطفل الذي لازال غائبا عن الوعي..
حضر والد الطفل كالمرعوب، العرق يتصبب على وجهه بغزارة ، ليرى رقبة إبنه مجروحه ونشوان منحني فوق رقبته وسكيناً في يده ، حدق بعينيه وكأنهما تقدحان الشرر، دونما سؤال أو تفكير أخرج جنبيته و غرزها بسرعة كبيرة في ظهر نشوان وقال : ذبحت ابني يا ابن الكلب ، ثم اخرجها استعدادا لطعنة أخرى فيمسكه من حوله..
يصيح : اتركوني اقتل ابوه سع ما قتل ولدي..
عندها وضعت بلقيس يديها على وجهها وصاحت صيحة توقف لها كل من المطعم : نشوااااان..
ليسقط حينها نشوان على الارض مضرجا في دماه..
#تخديرة🩺

تعليقات
إرسال تعليق