التنمر واللهجات
درست دراستي الجامعية في السودان ، و في أول أيامي هناك بدأت أتعرف على الحياة الجديدة ، و لأن الجو هناك حار بدأت أبحث عن كل شيء يمكنه ان يساهم في تلطيف الجو ، و بعد بحث و سؤال قيل لي أن هناك لبس خفيف يلبسه السودانيون في البيت و يسمونه " عَرّاقي" من العَرَق..
ذهبت إلى السوق بعدها لأشتري العَرّاقي ، ولكنني نسيت اسمه، غير أني علق في ذهني أن له علاقة بالعرق ، دخلت أول محل ملابس قلت له : عندك عَرَقي؟، قام شخط فوقي و طردني ، و الثاني مثل و كذلك ، حتى وصلت لتاجر ابن حلال ، قال لي : تعال تعال، انت ما شكلك حق الحاجات دي ، انت ايش عاوز؟ ، قلت : عاوز اللبس اللي تلبسوه في البيت ، قال : أهاااه ، ياأخي قول عَرّاقي مش عرقي ، قلت له : أيش الفرق؟ ، قال : العرقي هو الخمر .. و أنا بين أدور خمر من الصباح هه..
هذه القصة جعلتني أنتبه لحديثي و أحترم إختلاف اللهجات بالبحث عن معاني مفردات ، و احترم من أمامي كذلك بالبحث ان كان هناك مفردات في لهجتي مسيئة للآخرين، فاختلاف اللهجات قد يوقعك في مشكلة ، مثلاً : إذا دخلت مطعم سوداني فلا تطلب شكشوكة ، و الشكشوكة باليمني هو البيض المطبوخ مع البصل و الطماط ، لكن الشكشوكة بالسوداني هي " القحبة " ، و لعجايب الصدف أن كلمة شرموط هو إسم عصير في السودان ..
ذلك يعني أن لكل ثقافة و منطقة جغرافية ثقافتها الخاصة التي تصنع بها مفرداتها اللغوية ، و تتميز بها لكنتها الخاصة في الحديث ، و يجب احترام تلك الثقافات و تلك اللهجات و تلك اللكنات ، يجب السماح لكل شخص أن يعبر عن نفسه بمفرداته الخاصة ، فالمفردات الخاصة لها بعدها الخاص في كل لهجة ، اللهجة هي جزء من الهوية التي نتعرف بها على الناس ، فبمجرد أن أقول لانسان : صباح الخير ، و اجابني بلهجته ذلك يختصر الكثير من الاسئلة..
الملاحظ أن هناك تنمر مناطقي متبادل ، وصل بنا إلى حد العصبية المقيته ، ذلك جعلنا نتوجه إلى بعضنا بالمزحات الماسخة ، وكل أصحاب منطقة يثيروا النكات على لهجات أصحاب المناطق الأخرى ، فأصحاب صنعاء يسمون أهل تعز براغله ، و أصحاب تعز يقولوا ان اللهجة الصنعانية لا تصلح إلا للنساء ، و من يطلق على أهل عدن : أصحاب ياتو ، و البعض عندما يجد صاحب تهامة يناديه : وو اومر.. بمعنى ياعمر ، و عندما يرى صاحب البيضاء يقله : يا ربوع..
يجب أن نترفع عن مثل هذه الترهات ، فإنها تقودنا إلى العصبية و العنصرية المناطقية ، و هناك أشخاص تحصل لهم ضغوطات نفسية نتيجة هذا التنمر المناطقي ، يجب أن نحترم الشخص كما هو بلهجته بثقافته و بلكنته ، ولنحترم الغريب الذي جاء إلى منطقتنا يوماً ما ، لأنك ستكون يوماً ما غريباً مثله ، و مثلما لهجته عندك غريبة فلهجتك عنده عجيبة و غريبة ، ومثلما تجد كلمة مضحكة في لهجته فإن لدى لهجتك الكثير من الكلمات التي تفطس من الضحك..
الكاتب : عمار قائد التام
تعليقات
إرسال تعليق