يوماً ما ، ستدرك أنك كنت من مراهقين الفكر ، أنك تسرعت في الحكم على كثير من الأمور ، وأنك كنت تفتقد إلى الحكمة في إطلاق احكامك المسبقة على الأشخاص .. فاستبق لحظات الندم بالمزيد من القراءة والتأني ، لكي تتحرر من الأطر التي تسيجك دون أن تدري ، والتي لن تدركها إلا في مرحلة من النضج الذي تولده القراءة المتعمقة والتجارب المتتابعة..
يوماً ما ، ستجد أنك عملت اشياءً لا تستحق ، وبذلت عليها مجهودات خارقة ، ثم كانت النتيجة كأنك وصلت إلى سراب ، وأنك لم تجد النتيجة المرجوة.. فاستبق تلك اللحظات بالقراءة عن كل شيء تقوم به أو تتعلمه ، و ان تبادر إلى الاستفادة من تجارب وخبرات السابقين لك بالاستشارة ، و كن جريئاً في مراجعة أعمالك و تقييمها ، ثم تحلى بالشجاعة لاتخاذ قرار التغيير حتى وأنت في وسط ماتقوم به..
يوماً ما ، ستجد نفسك يائساً من عمل الخير ، بأنه لا يفيد ، و بأن نتائجه وهمية ، وأنه أصبح كالنفخ في القرب المثقوبة.. فاستبق ذلك بالعلم أننا في أعمال الخير مطالبون بالعمل ، ولسنا مطالبون بالنتيجة ، مأمورون بوضع البذرة ، و لسنا موكلون بالحصاد..
يوماً ما ، ستدرك و تنصدم أن ذلك الرجل الذي كنت تعده أقرب صديق لك ، لم يكن صديقك أبداً ، لكنك لن تكتشف ذلك إلا في وقت شدة كنت تحتاج فيها صديقك إلى جانبك ، أو قد تكتشف لاحقاً أنه كان سبباً في شدتك تلك .. فاستبق ذلك بمعرفة أنواع الرجال ، و أعرف من الذي يعدك صديقاً له و من الذي يتخذك حليف ، فالصديق يمضي مع مشاعر الحب و الحليف تحركه الملصحة ، و لكل التحالفات نقطة حرجة تحركها دائماً المصالح ، ولكل المصالح نقطة حرجة تغازل التحالفات..
يوماً ما ، ستدرك أنك كنت في الجانب الخطأ ، و أن ما كنت تعده مبدأ من مبادئك ليس سوى رأي خاضع لقوانين الصواب و الخطأ ، و ستدرك أن انتماءك لبعض الأطر لم تكن إلا هوية مزيفة .. فاستبق ذلك بالتسلح بثقافة الاختلاف ، و احترام الرأي و الرأي الآخر ، وفتح باب الحوار دائما مع الآخرين ، ووضع احتمالية الصواب و الخطأ لك ولغيرك ، و لتعرف أن لك هوية واحدة فقط فلتسعى لترميمها و استكمال جوانبها ، و ان معظم الانتماءات ليست سوى سياجات ومساقات للتفكير تجعلك تفكر بطريقتها ، فتجعلك مقلدا تخسر نفسك تدريجياً لتكون شيئاً غيرك ، فانتبه و كن " أنت " دائماً..
يوماً ما ، ستجد نفسك مصدوماً لا تستطيع الاستيعاب ، لأنك - كما تظن - خرجت مهزوماً في معركة الحق ، بينما كنت تظن أنك المنتصر في هذا الصراع لأنك على الحق ، فتجد نفسك في حالة نفسية يرثى لها ، لإنتقال الصراع من خارجك إلى داخلك.. فاستبق ذلك بمعرفة طبيعة الصراع الذي تخوضه ، فأكثر صراعاتنا اليوم ليست بين حق وباطل ، بل صراع بين الصواب و الخطأ ، و معرفة ذلك تتيح هامشاً كبيراً للنقاش و الحوار وصناعة المشتركات ، و تعين على الإطلاع على المزيد من وجهات النظر ، فاعتبار الصراع بين حق و باطل ، يضيق المشتركات بل وقد يمحوها ، و يضيق أفق الحوار ، ليجعل نقاطه بنود تهدئة إلى حين..
يوماً ما ، ستجد نفسك تشك في كل ما أنت عليه ، و ستجد حولك الكثير من التناقضات ، فقد يتسرب إليك الشك في دينك و ثقافتك و رأيك ، فتضطرب حالك و لا يهدأ لك بال ، فتشعر حينها بالتيه و الضياع ، و قد يقودك ذلك الى مخاصمة نفسك وعدم مسامحتها.. فاستبق ذلك بالعلم أن الشك مفتاح من مفاتيح المعرفة ، و ايقونة من أيقونات التثبت والتأكد مما انت عليه ، فاستبق لحظات الشك الاجباري بالشك الاختياري ، وعليك أن تشك في كل شيء شكاً مسبقاً ومن الآن ، فإذا قرأت فقراءة الشكاك الذي لا يؤمن و لا يسلم بأي شيء مسبقاً ، فالشك يقود إلى السؤال ، والسؤال يقود إلى العلم..
الكاتب : عمار قائد التام
#تخديرة
تعليقات
إرسال تعليق