علي ومعاوية
كنت حاضراً مرة في مجلس متعدد الاطياف، و دار فيه النقاش عن الصراع بين علي و معاوية رضي الله عنهما ، و آثرت الصمت ، حتى استفزني أحدهم طالباً رأيي فقلت له : اتركني فرأيي لن يعجب أحداً منكم ، لكن ردي استفز الحاضرين فأصروا إلا أن يسمعوا رأيي، فقلت لهم : دعونا نتفق ، هل تريدون رأيي الديني أم السياسي، قال أحدهم : و ماهو الفرق، قلت : ليس لي رأي ديني فيهم لأن الدين حق الله وهم عنده وهو أخبر بهم، قالوا : إذن ماهو رأيك السياسي فيهم، قلت بإختصار : إثنين تحاربوا على كرسي السلطة و قتلوا أكثر من سبعين ألف.. انقسموا سياسياً و لا زلنا منقسمين بسببهم..
تفرقنا بسببهم و انقسمنا سياسياً بدايةً ، ليمر الزمن علينا وتغلف خلافاتنا السياسية بغلافات دينية لإكسابها الشرعية و الأتباع ، ثم انقسمت بعدهما الأمة بسبب غياب تنظيم مسألة التداول السلمي للسلطة بدايةً إلى تيارين هما : تيار علي رضي الله عنه و تيار معاوية رضي الله عنه ، و مع الزمن غلف أحدهما نفسه دينيا بإسم " أهل السنة و الجماعة " و غلف الآخر نفسه دينياً بإسم " شيعة أهل البيت " ، و بدأت حكاية صراع مرير ، أخرج الأمة من سباق الحضارات إلى صراع الإمارات..
كان تيار معاوية رضي الله عنه بدايةً هو التيار الحاكم ، فأنتج مطبخه الإعلامي فتاواه بناءاً على ذلك و كان التنظير يُبنى عنده على أساس فتوى حرمة الخروج على ولي الأمر ، فهو التيار الحاكم و بالتأكيد لن يفتي بجواز الخروج عليه.. و في الطرف الآخر كان تيار علي رضي الله عنه في موقف المعارض ، فأنتج مطبخه الإعلامي فتاواه بناءاً على ذلك ، فجرى التنظير عندهم على أساس فتوى الجواز بالخروج على ولي الأمر ، و ذلك شيء طبيعي لأنه لو أفتى بالجواز لما وصل إلى الحكم ، لكن تلك الفتوى هيجت الطموح لدى أتباع هذا التيار فكانوا يتحاربون على السلطة و لم تستمر لهم دولة..
و لذلك نرى أن تلك المطابخ الإعلامية للتيارين ساهمت بصنع فلترات فكرية عملاقة لترشيح ما يدعم أفكارها التي تريد ، و رغم أن الخلاف - في رأيي - لا يتعدى كونه سياسياً ، إلا أنه تم صبغه بالصبغة الدينية لحشد الأنصار و المتشيعة ، و لذلك لو تفكرنا في الاتهامات الدينية التي يتوجه بها أنصار كل تيار إلى التيار الآخر ، لوجدنا ببساطة انها اتهامات ذات أصول سياسية، لكنها اكتسبت مع الأيام صبغتها الدينية، وأشهر تلك الاتهامات ( نواصب و روافض ) ، فمن التسمية تجد أن أولئك سعوا لتنصيب أميرٍ ما ، والآخرين سعوا لرفض البيعة لأميرٍ ما ، و تلك لعمري تسميات سياسية..و الخلاف سياسي و لا يجب ان يتعدى زمنه و موضوعه، لكي نستطيع أن نعيش.
الكاتب عمار قائد التام
#تخديرة 🩺
تعليقات
إرسال تعليق