سعمة الحياة ح ١

 






سُعمَة الحياة - ١ -


" نشوان " شاب  عشريني وسيم ، قمحي اللون، له شارب خفيف و يعتني دائما بحلاقة ذقنه مما يجعل جوانب وجهه تميل الى اللون الذهبي ، ذكي جدا حصل على نسبة ٩٥٪ في الثانوية، وكان يثني عليه اساتذته كثيراً، مما دفع أباه الميكانيكي البسيط أن يدخله كلية الطب على حسابه الشخصي في جامعة خاصه ، لكنه الآن يعمل ميكانيكياً في ورشة صديق والده المرحوم الذي استوعبه كجزء من رد الجميل بين الاصدقاء ، و حين أصبح ميكانيكياً لم يكن ميكانيكياً عاديا، فقد استغل خبرته و ذكاءه في عمله الجديد القديم ، فكان أصحاب السيارات يأتون إلى الورشة فلا يطلبون إلا نشوان لإصلاح سياراتهم لبراعته ونباهته وسرعة تشخيصة لاعطالها ، و قد اتخذ له زاوية من الورشة لا تتسع إلا له ولأحلامه ، و على جدارها البسيط بعض كتب كلية الطب التي غادرها في السنة الرابعة فتم حجب نتيجته و ايقافه عن مواصلة الدراسة بسبب تراكم الرسوم الدراسية عليه ، فلجأ الى مهنته ومهنة أبيه السابقة ليعيل أسرته..

وهكذا الحياة عندما تضطهدنا فيها المسافات نلجأ الى الولوج في عمق الزمن بحثاً عن الخيارات الإضافية ، ولكن عندما تضطهدنا الخيارات، نطوي افئدتنا ونجلس منتظرين كالبليد الضائع وسط الشعور بتوقف الزمن..

كان لنشوان في زاويته نافذتين احداهما تطل على باب الورشة ، ونافذة أخرى للحب تطل على احدى العمارات الواقعة في الجانب الآخر للشارع، كانت تلك النافذة جزءاً من مواساة القدر ، فقد تعرف من خلالها على بنت كانت تبادله نظرات الحب التي لم تتعداها إلى غيرها لسنة كاملة ، فكان كلما أصلح سيارة يعود لزاويته محدقاً فيها ، لعله ينسى تعبه بنظرة من نظرات الحب تشافي جسده و تعيد نشاطه لاصلاح سيارة أخرى، حتى اضحت تلك النافذة بمثابة التقويم القمري الخاص به، فهو حين يراها ببراقعها فهي الهلال الذي يبدأ معه زمن جديد ، و ان خرجت لتنشر الغسيل على البلكونة و هي باللثمة الصنعانية فهي الاحدب ، وان تبدت بوجهها كانت بدرا مكتملا يعيش معه أياماً بيض ، و اليوم الذي لا تتبدى يعتبره محاق على أمل ان يظهر بعده الهلال من جديد ، وهكذا استمرت رحلته مع العيون و النظرات التي يتمنى غيرها لكنه لم يكن ليتجرأ لماهو اكثر من ذلك قائلا لنفسه : كيف لبنت أن تحب ميكانيكي..

لكنه في أحد الايام تجرأ أن يخطو خطوة إلى الأمام فإما حباً أكثر و اما نهاية من البداية ، فجازف عندما اطلت هلالا من نافذتها، ورفع يده وهي ترتجف ملقياً التحية ، فاشارت له بيدها ثم اختفت ، فشعر في تلك اللحظات بصعوبة في النفس و أحس بنبضات قلبه تنبض في رأسه، لكنها ظهرت مرة أخرى ليذهب عنه الروع و بدأ يحدق اليها ليفهم من اشاراتها انها تطلب منه أن ينتظرها عند باب الورشة لأنها ستنزل إليه ، فقام مسرعاً إلى باب الورشة ، لم يكن محتاجاً لاصلاح هندامه فقد كان أنيقاً دائماً على غير عادة الميكانيكيين ، كيف لا وقد اشتهر في الشارع و عند أصحاب السيارات بالطبيب الميكانيكي..

وقف عند باب الورشة و عيناه تحدقان على مخرج العمارة ، وقلبه يكاد يخرج من صدره ، حتى خرجت وهو يزفها بعيونه ، كانت تمشي نحوه وهو يريد أن يلتقيها  ، لكنه أراد ان ينتظرها كما فهم منها ، كانت عيونهم كأنها تتعانق، لا ترف جفونها، و لا تتحرك منها المقل، وكأن حديثاً للعيون بدأ فلا يريدون مقاطعته، الشارع كأنه توقف عن كل شيء إلا من مشيتها، قطعت نصف الشارع فإذا بأحد السائقين يصيح عليها بعد ان قطعت الشارع دون أن تلتفت : "هيا ماهو أو حريوة ؟ "، لكنها لم تنتبه، كل تركيزها كان على الشاب الذي تحبه ولم تعرف اسمه بعد ، وصلت الجزيرة الوسطية و عيونها تتراقص ، اقتربت فأصبح ازعاج شارع الورشات  كموسيقى رومانسية باذخة ، خطت خطوتين من الرصيف ثم اختفت من عيون نشوان فجأة، فأغمض عينه و فتحها ليتأكد لكنها لم تعد تمشي أمامه ، و يصحو من سكرته على صوت فرامل سيارة امتدت طويلاً ثم فرامل سيارة أخرى ، لم يستطيع استيعاب الموقف ، لكنه بدء يسمع صراخ الناس : صدم البنت ، الشاص صدم البنت.. 

فأسرع نشوان ومعه زملاءه ليشاهد ماحصل، كان أول الواصلين إليها ليجثو عند رأسها و هو يمسح على رأيه مسحة المحتار ، وبدأت الجموع تحلق و تتساءل : من الذي سيتجرأ على لمس بنت؟، و لو كانت مصابة ، حاول نشوان استجماع شتاته ليستطيع فعل شيء ما ، ليقاطعه أحدهم يقول : إنها بلقيس بنت الحاج مصلح ، قال  في نفسه : إذن اسمها بلقيس.. 

تمالك نشوان نفسه أكثر و بدأ يتخلص من الميكانيكي ليحضر طالب الطب ، و بدأ بتعديلها لتنام على ظهرها، ثم ناداها بصوت عالي وهو يضغط بيديه على كتفيها : بلقيس.. بلقيس، لكنها لم تستجب ، فوضع يده على معصمها ليتحسس نبضها وكأنه يجس نبضه لا نبضها ، فلم يجد نبض ، فازال البراقع عن وجهها و الناس تنادي: لا تكشف سترها خلينا نسعفها ، فاجابهم : ان اسعفتوها الآن ستقتلوها لأن قلبها واقف ، تحسس النبض في رقبتها فلم يجد نبض أيضاً ، و الناس تتساءل بدهشة عن ماذا يعمل هذا الشاب؟ ، لكن كان زملاءه الميكانيكيين هادئين وكلهم ثقة فيه ، لأنه الذي يطببهم و يداوي جروحهم و يعطيهم حقن الدواء.. 

وقف نشوان على ركبتيه و شبك يديه و استند بيديه على صدرها تحديدا على الثلث السفلي من عظمة القص ، و بدء يضغط على صدرها فكان كمن ينعش قلبه لا قلبها ، و هو يصيح لنفسه يجب ان تنزل يدي في صدرها لخمسة سنتيمترات لكي يستطيع قلبها ضخ الدم من جديد، ضغط على صدرها خمسة عشر مرة و عيناه تدمعان، ثم توقف ، و انحنى نحو وجهها وفتح فمها ليتأكد من أنه خاليا من الاكل او اللبان أو القات أو أي شيء قد يخنقها، فلما تأكد من نظافة فمها وضع يده اليمنى على منخريها ليسدهما ، ويده اليسرى على ذقنها و اطبق فمه على فمها و بدء ينفخ في رئتيها الهواء و عيناه على حركة صدرها، ليصيح أحد الحاضرين قائلاً : ادالها سعمة وسط الناس، ليتجاهله نشوان ويعطيها نفساً آخر ثم ألتفت إليه قائلا : نعم سعمة، لكنها ليست اي سعمة هذه قُبلة الحياة ، كان يحدثه وهو يمارس الضغط على صدرها بحركات احترافية رشيقة و مستمرة ، ويعود إلى فمها ليعطيها نفسين آخرين ، وكرر ذلك مرارا.. ليحضر الحاج مصلح و نشوان يضع فمه على فمها ليعطيها نفساً آخر ، فصاح : بنتي ايش تعمل في بنتي، لكنه لم يلتفت إليه ، فأخذ الحضور يهدءون الحاج مصلح ويمسكونه ليدع نشوان يقوم بعمله، لكنه كان يقفز بين لحظة وأخرى وهو يبكي ويصيح: بنتي، ولم يتوقف إلا عندما رأى ابنته وجسمها ينتفض انتفاضة تنبأ بعودة الحياة اليها، فصاح الجميع : اوووووو... حينها فتحت بلقيس عينيها مفزوعة وخائفة كمن يحدق في الموت وتنقلت بعينيها في كل العيون تحاول استيعاب الزمان والمكان ، ثم حملقت بعينيها في نشوان فهدأت ثم مدت يدها بصعوبة إلى براقعها لتستر وجهها ، عندها لم يتمالك نشوان نفسه إذ استلقى على ظهره من التعب و الخوف الذي كان يسيطر عليه لينقذ حبه الأول قائلا لهم : الآن اسعفوها الى المستشفى.. فتقدموا ليأخذوا البنت مع أبيها، لكنه قبل أن يأخذوها صاح فيهم : اصبروا ، لا تسعفوها بجهل فالمسعف قد يقتل من يسعفه ، فتسمروا ليقوم إليها فيسألها: هل تشعرين بشيء في أي مكان من جسمك؟ ، قالت : فقط صدري، ولم يدري أحد ماذا تعني، فنهض معهم و جعلهم يأخذونها ممددة مستقيمة غير منحنية وقال: الان خذوها سريعاً إلى المستشفى..

رجع نشوان بخطى مثقلة إلى زاويته ، وكانت كل العيون تراقبه أحياناً بفخر و أحياناً بشفقة، ليقاطعه أحدهم : الآن من عاد بايتزوجها و أنت قد سعمتها وسط الناس ، أكيد بايشرطوا عليك تتزوجها، فقال لهم بكل برود : أنا لم افض بكارتها يا جهله ، أنا انقذتها من الموت ، و ان كان الزواج بها سيكون عقابا لي فأنا سأتقبله بكل صدر رحب، وهم لا يعرفون ماذا في قلبه..

ثم استلقى على فراشه و عينيه على نافذة الحب و كأنها جدارية يتأملها ليهيم في تفاصيلها ، أراد أن ينام لكي تنطوي الدقائق هروبا من الهواجس التي تجعله يفكر بالفقد ، ليصحو عند بداية الليل على صوت الحاج مصلح و هو يحتد في النقاش مع معلم نشوان صاحب الورشة، ليتسلل نشوان وهو يسكب الماء من القنينة التي يشرب منها على يده و يغسل وجهه و يقترب منهم ليسترق السمع ، حتى التصق بجدار بوابة الورشة الذي يقفان بجانبه، والمعلم يقول : المهم وين البنت الآن؟ ، قال مصلح: في البيت، رد المعلم : اذن هذا المهم، رد مصلح بحده لكن بصوت منخفض و كل جسمه يتحرك مع كلماته : المهم الان مستقبل البنت من عاد بيتزوجها وقد قبلها وسط الشارع حبها في لقفها يابشمهندس.. عندها ابتسم نشوان وعاد إلى زاويته..


الكاتب عمار قائد التام 

#تخديرة 🩺

تعليقات