سعمة الحياة - ٤ -
(الحلقة الرابعة)
وجد نشوان نفسه وسط ساحة كبيرة تؤدي إلى شارع طويل ، كان يحاول ان يتذكر كيف وصل إليها ولا يستطيع ، تخونه ذاكرته كفاقدٍ لها ، يرى الناس حوله تسير بسرعة في كل اتجاه ، لا أحد منهم يقف أو يتأمل المارين بجانبه، حتى أنهم لا يخشون التصادم مع بعضهم، وإذا تصادموا لا يعتذر بعضهم إلى بعض، استغرق في تأمل الوجوه حوله ليجد نفسه في طرف الشارع حيث تقف سيارة قديمة يقودها رجل عجوز يناديه ليركب، لكن نشوان يخاف ويرجع مرة أخرى إلى الشارع، يستغرق في تأمل الناس لتقوده رجلاه مجددا إلى السيارة القديمة، هذه المرة ألح عليه العجوز بالركوب، فتح باب السيارة جلس بجانب السائق، تلفت منبهرا حيث رأى سيارة فارهة من الداخل، محدثة بالكامل ، فخمة الطراز..
نشوان منبهراً : لماذا لم تهتم بالخارج مثل اهتمامك بالداخل؟
العجوز : لأنني لا أريد أن يركب معي من يهتم بالمظاهر..
نشوان : لماذا دعوتني مراراً للركوب معك؟
العجوز : لأوصلك إلى حيث تريد ، أو بالأحرى لأوصلك إلى عند من جعلني انتظرك..
نشوان : ارسلوك ، ينتظروني ، هل ممكن ان أعرف اكثر..؟
العجوز : تصل وتعرف ، هم يريدون الاهتمام بك..
نشوان : سنصل و نعرف ، بالمناسبة ماهو هذا الشارع الذي كنت فيه؟، ولماذا يتصرف الناس فيه بغرابة؟
العجوز : انه شارع الحياة..
تسير السيارة في طريق طويل ، وصلوا ريفاً كثيف الأشجار وسطه مبنى ضخم ، فتح الحرس البوابة، ترجل نشوان ، صاح العجوز : نشوان ، حياتك مثل السيارة، اركب فيها لتصل هدفك ، لا تهتم بالشكل و تعمق في المعنى ، لن تستطيع أن ترتاح لسيارة إلا عندما تصنع سيارتك الخاصة حيث تجلب من كل ماركة أفضل مافيها و تصنع خلطتك العجيبة وكذلك الحياة، لكن كل ذلك لن يكون ان لم تصل إلى هدفك بسلامة..
ودع نشوان العجوز ، شعر بالرهبة و هو يدخل قصراً لا يبدو كقصر ، كل ما مر قليلاً يجد نادلاً يرحب به وينحني ثم يبتسم ، يدخل صالة كبيرة مليئة بالناس المحدقين على بوابتها انتظاراً لوصوله ، تقوده خطاه إلى المكان الفارغ الوحيد، يبدو كأنه جهز خصيصاً له ، وضعت أمام مجلسه شيشة ، لم يدخنها من قبل لكنه بدون تفكير أخذها و بدء يستنشق دخانها بشراهه، اجتمع كل من في الصالة لمشاهدته ، كانت انفاسهم مضبوطة مع انفاسه المستنشقة من الشيشة، احس نشوان بأنه يريد المزيد من الدخان فاستنشق نفساً طويل، بعده شعر بالاختناق، بدأ بالسعال، ومن حوله يبتسمون مع كل سعله يسعلها ، أراد أخذ نفساً طويلاً آخر فلم يجد هواء يستنشق ، شهق بقوة ليبتلع انبوبة الشيشة التي تدخل حلقه ثم تتوغل في صدره.. يتلوى، يحاول طلب المساعده ولا يستطيع.. عندها يستيقظ..
يفتح نشوان عيونه قليلاً ، يحاول الشكوى من القصبة الموضوعه بحلقة لكنها تمنعه من الكلام ، يرى من حوله بضبابية، سمعه ثقيل لكنه يسمع أحدهم يقول : لقد اوقفنا عنه المهدئات لنبدء في فطامه من جهاز التنفس الصناعي.. بدء نشوان في السعال، صاحت الممرضة : دكتور، نشوان بدأ يقاوم الجهاز، حضر الطبيب و الممرضين المتواجدين في العناية المركزة، يتم اخراج انبوب التنفس من صدره بعد أن أخذ أنفاسه بدون مساعدة الجهاز وبكفاءة عالية تضمن تزويد جسمه بالاكسجين الكافي..
نظر نشوان حوله لم يستطع التعرف على أحد، بدء يسأل، ليس عنهم، سأل ذلك السؤال الوجودي للتأكد في أي دنيا يتواجد : أين أنا؟
الطبيب : أنت في المستشفى؟ لقد تعرضت لحادث مؤسف..
يتذكر الحادث، يهم بالنهوض: نعم، الطفل، دعوني انقذ الطفل..
يمسك به الطبيب قائلاً: اطمئن، الطفل بخير، انت انقذت حياته وقد خرج اليوم من المستشفى بخير وعافية، الآن لا تهتم بشيء، اهتم بصحتك فقط..
نظر نشوان فإذا أنبوب كبير مثبت في الجهة اليمنى من صدره موصل إلى قنينة ماء يصدر منها صوت فرقعة الهواء كلما تنفس..
نشوان : أمي، هل عرفت أمي بالحادث؟
الممرضة : أمك، هي تجي تزورك كل يوم في هذا الوقت، كلما جاءت تحتضنك، تدمع، تحدثك، واحنا نراقب سحر مشاعرها على أجهزة المراقبة..
تدخل أحد الممرضات مبتهجة تتراقص : جات جات، جات امه.. تسرع الممرضة الأخرى إلى سرير نشوان الإلكتروني، ترفع رأس نشوان ليرى قدوم أمه.. تدخل مهابة الام و جلالها ، يبادرها الطبيب بالبشرى : نشوان صحى يا أم نشوان.. فتخلع عقداً فضياً من عنقها، تعطيه الطبيب : هذه بشارتك ياولدي، بشرك الله بوجه النبي..
تدلف مسرعة إلى سرير نشوان الواقع بين العديد من أجهزة المراقبة الطبية، ونشوان يراقب قدومها مبتسماً ناسياً آلامه التي تضرب كل عضلة في جسمه بعد توقفها عن الحركة خلال غيابه عن الوعي، يشعر كأن قرع نعالها أفضل دواء قاتل للألم على الإطلاق .. تصل سرير ابنها باكية، تنكب عليه تحتضنه، ثم تقبل رأسه ووجهه و يديه : ولدي، سعدي ، الله لا فجعك و لا اوجعك ولا سامح من عمل بك هكذا..ربي يقيل عثرتك و يقوي بدنك و يفرحني بعافيتك.. ثم ترتفع عنه تمسح دموعها..
نشوان مبتسما : احضنيني يا امه ، قد انا مشتاق لحضنك..
أمه تلقي نفسها برفق ، تحتضنه باكية مبتسمة : عيوني لك يا عيوني و ضاو دنياي..
يغمض نشوان عينيه ، يستنشق رائحتها التي لا مثيل لها بين أزكى عطور الأرض ، تلك الرائحة المجموعة من عرقها و دخان مطبخها و رائحة المشاقر الممزوجة بحنان الدنيا ، تهم بالنهوض لكي لا تؤذيه فيترجاها بالبقاء ليستمتع برائحة حنانها ، تنهض ثم تجلس على كرسي قدمته لها الممرضة، تمسك بيد نشوان الذي مع تفتح عيونه تشعر بأنها تفتحت لها أزهار الحياة، فأشرق وجهها بعد ذبوله خلال فترة غيابه عن الوعي..
ام نشوان : متى بتخرجوا ولدي يا ابني..؟
الطبيب : بكرة ..
ام نشوان : الله يحفظكم، قدكم اخبر، قدكم أحن عليه حتى من أمه، تلتفت إلى نشوان : المهم ياابني صحتك، لا تهم شي، وبكرة ان شاء الله نخرجك متعافي..تقبل جبينه ثم تهم بالذهاب..
نشوان : أمه ، كيفها بلقيس..
الأم : أوه، لي العمى، نسيت أبلغك سلامها، هي تعبت بعد الحادث، وماقدرت تجي تزورك ، لكن بعدما بدأت الدراسة أمس جات تزورك و ما راحت الكلية..
تتسارع صوت نبضات نشوان على جهاز المراقبة، يحضر الطبيب و الممرضة، يسأل نشوان قلقاً : ليش كم لي غايب عن الوعي؟
الطبيب : مش مهم كم لك، المهم عافيتك..
نشوان يصيح : كم لي نااايم؟
يهمس الطبيب في اذن الممرضة، تذهب مسرعة، و هو يقول : أنت غايب عن الوعي من عشرة أيام!؟
يتسارع صوت النبضات أكثر يصيح : عشرة أيام، أمه عشرة أيام، من جاب لكم المصروف ، من وين دفعتوا حساب المستشفى.. يفقد السيطرة على كلماته، تتباطئ نبضاته قليلاً والممرضة تعطيه حقنة مهدئة، ليخلد الى النوم..
تشرق شمس اليوم التالي على نشوان بشعاع وجه أمه التي جاءت وكلها بِشر في يدها أوراق تحويله من العناية إلى القسم، جاءت الممرضة بعربة النقل، أبعدتها أمه قائلة: ابني شايستند على كتفي.. يقف نشوان مستنداً على كتف أمه، يتهادى فتمسك بخاصرته ليقف في ثبات، يدخل غرفة خاصة في قسم الجراحة، يجد الكثير من الورود التي تم الاعتناء بها، تشير أمه إلى الزهور : هذه الزهور هدية زملاءك اللي جاءوا يزوروك، اعتنيت بها ياابني وكنت اخليها معي بباب العناية ولما امشي بيت خالتك اخليهم مع الممرضات، من شان تخرج تشوف هدايا أصحابك وزملاءك، اوه يا ابني كم اللي يحبوك..!
تساعده على الجلوس على السرير ، تمدده برفق، تعتني به كأنه طفلها الرضيع، يدخل ممرض القسم مُرحِباً به، يستدعيه نشوان للقرب منه، يعطيه وردة حمراء و قالب من الشوكولاته، يبتسم الممرض ويشكره..
نشوان: لو سمحت أريد أن أرى ملفات المرضى من شان استفيد من جلوسي في المستشفى..
الممرض : عفوا، الملفات سرية ولا يمكن عرضها على احد بدون اذن الطبيب المعالج.
نشوان : من هو الطبيب؟
الممرض : الذي عمل لك العملية؟
يقاطع حديثهم صوت قرع الباب، يدخل رجل خمسيني، بشارب كثيف ونظارة سميكة..
الممرض : هو ذا الدكتور..
الجراح : هيا ما قد يشتي اسدنا الشجاع؟
الممرض : يريد ان يطلع على ملفات المرضى.
الجراح : يحق له فهو طالب طب متدرب تحت امرتي..
يطمئن الجراح على نشوان، يسجل اوامره و توجيهاته الطبية على الملف، يتجه إلى نشوان و هو يتفحص كشافة الصدر : انظر ، وين كنا واين اصبحنا، اصابتك في الرئه كانت بالغة ومعها اصيب الوريد تحت الترقوي ، لكن طريقة اسعافك السريعة والجيدة ساعدتنا في انقاذك رغم خسارتك الكثير من الدم..
نشوان يمد يده لابريق الماء ، يأخذ ورده، يمدها للجراح : اشكرك من كل قلبي يادكتور، وساظل ممتن لك طول عمري..
أم نشوان : الله يادكتور يلين لك كل قاسي و يجنبك كل عاصي ،ويفرحك بأولادك ساع ما فرحتني بولدي..
الجراح : دعوة و وردة، هذا يوم نوري من الصباح.. يبتسم ممتناً ويغادر..
صباح اليوم التالي ينادي أمه : اسنديني..
الأم : على وين يا ابني؟
نشوان : نزور المرضى و نجيب لهم هدايا.. هناك ناس يا أمه يحتاجوا هذه الورود أكثر منا..يتنقل نشوان بين غرف المرضى ينشر الورد و يرفع المعنويات و تزرع خطواته ضحكات القلوب..
تمر الأيام على نشوان ثقيلة، يأتيه الجراح في آخر زياراته ليفحصه، يرى اخر الفحوصات المخبري..
الجراح مبتسماً: الآن الحمدلله نقدر نعطيك اذن بالخروج..
نشوان : متى؟
الجراح : بكرة الصباح.
تمر الساعات ثقيلة ليلاً، شعر معها كأن الشمس تعانده، والزمن يخذله.. كان الوقت طويلاً حتى جاء الممرض صباحاً ونشوان يجلس على طرف السرير، أعطاه ورقة النصائح الطبية و قائمة الادوية التي سيستخدمها بعد خروجه، لتأتي بعدها أمه ببطاقة الخروج..
يخرج نشوان من بوابة المستشفى يمشي الهوينا، كان الحارس الامني مرتبكاً حين رأى نشوان، اجرى اتصالا همس فيه : الآن خرج..
جلس نشوان على مقاعد الانتظار ليرتاح قليلاً ، بينما ذهبت أمه لاحضار سيارة اجرة، صادفت المعلم خالد عند بوابة المستشفى بسيارته لتعود معه، ساعدا نشوان على النهوض، خرج نشوان بخطى بطيئة حتى اقترب من البوابة، رأى بلقيس تنتظره بجوار سيارة المعلم خالد ، ابتسم، اشتد عوده، سرت العافية في بدنه، و حث الخطى نحوها، لتقطع الطريق عليه سيارة شاص تتبع للشرطة (طقم) ، وقفت أمامه مباشرة وحالت بينه وبينها، قفز منها أربعة اشخاص يلبسون ثيابا مدنية و احدهم يلبس زي الشرطة الرسمي ويحملون بنادقهم في أيديهم ، ينادي أحدهم : نشوان..
نشوان : نعم.
الرجل : أنت مطلوب، عليك بلاغ..
يتدخل المعلم خالد : بلاغ ممن؟
الرجل : لا ادري ، إحنا مأمورين بالقبض عليه..
أمه تصيح و تبكي : ايش من بلاغ، ابني مريض، يا عباد الله..
يمسك احدهم بنشوان يريد جره بقوة، لتصيح بلقيس في وجهه : انت بني ادم، هكذا تتعامل مع إنسان مريض!
المعلم خالد يساعد نشوان على الصعود الى الشاص (الطقم) : لا تهم يا ابني أكيد في غلط أو سوء فهم بالموضوع أنا لاحق بعدك..
يصل نشوان إلى مركز الشرطة، يجد أوامر شديدة اللهجة بحبسه..
و يلقى به في السجن ، دون أن يعرف لماذا..؟!
#تخديرة🩺

تعليقات
إرسال تعليق