سعمة الحياة ح ٢

 





سُعمة الحياة - ٢ - 


مرت يومان، منذ أن طلب نشوان من المعلم خالد صاحب الورشة أن يبادر فيخطب له بلقيس، لكنها لم تك كسائر الأيام فنشوان الذي كان يتقلب عرياناً فوق أشواك الحب و يستعذب وخزاتها ، دفعته تلك اليومين إلى الاكتواء بنيران الشوق ، والتعرض للضرب بسياط اللهفة تطلعاً لسماع خبر ما ،  يدخل زاويته كناسك متعبد يريد الخلوة بنفسه، ثم لا يلبث حتى يخرج إلى المعلم خالد يتعرض له لعله يحدثه بشيء لكنه كان يقابله بكل برود إلا من ابتسامة صغيرة ، اصبح يشارك العمال مقيلهم - على غير عادته - لعله يسمع شيئاً يهدئ البراكين التي تغلي داخله ، وبين ذهاب نشوان الصامت ومجيئه ، كان الحاج مصلح يتردد على الورشة ، حتى أن المهندس خالد اضطر ثاني يوم إلى الجلوس على باب الورشة من الخارج لكثرة ما استدعاه الحاج مصلح للحديث خارج الورشة ، وإذا تحدث الحاج مصلح يشعر المعلم خالد أنه يخفي الكثير من المخاوف ، و يشعر بهروبه من التصريح بمخاوفه..

في اليوم الثالث أراد المعلم خالد أن يكسر الثلج الحاصل في الأحداث لينقله إلى الصدور، فانتظر خروج الحاج مصلح من بيته ، ولم يناديه لأنه يعرف أنه سيتوجه إليه، وصل إلى باب الورشه ليطول بينهما الحديث ، و نشوان يمسك ببانه ١٤ و يحركها ببطء مستخدماً كل قوته و عينه وفكره على باب الورشة ، يتساءل : عن ماذا يتحدثون؟، يومين و لا حس ولا خبر، هل أنا طرف في ذلك الحديث؟ ، لو كنت طرفا لحدثوني؟.. قاطع الصبي حيرته وشروده وهو يمد يده : نشواااان شاتقرح الصاموله ، فابعد نشوان البانه و قرعه بها ليهدأ ، ثم ترك كل شيء و أخذ منشفته و مسح يديه ، بعد تيقنه أنه لا شغل له فعقله و قلبه فارغان لا يواكب بهما ما حوله..

كان الحاج مصلح في حديثه كمن يحوم حول الحمى و لا يرتع فيه ، يلوك نفس الكلمات ولا يصرح ، حينها المعلم خالد قال له : ياحاج مصلح كلنا معنا بنات و أنا عارف ماهو الذي في قلبك، أنت خايف على بنتك، خايف تزوجها ميكانيكي..

- ايوووه ، يا معلم هذه بنتي الوحيده وما اشتيش تتجعجع ، بنتي هذه هي كل حياتي و هي طموحة وهي تدرس الآن في الجامعة وباقي لها قليل و تتخرج ، واخوتها كلاب فاخاف انها تلتطم من جهة اخوتها و من جهة زوجها ، اشتي اطمئن على بنتي..

- اطمئن اطمئن ، صحيح نشوان ميكانيكي، بس مش اي ميكانيكي، وفي الاصل هو الا بيشتغل بصورة مؤقته، لأنه طالب في كلية الطب..

- ماهو ماهو، طالب طب ، و انا اقوووول ليش يسموه الطبيب الميكانيكي..

- نشوان ياحاج مصلح ضغطت عليه الظروف بعد موت ابوه وماقدر يدفع الرسوم،  ورجع معنا يشتغل من شان يعيل اسرته فماهوش خربان ولا عاطل ، هو شاب ينطرح في العيون..

عندها الحاج مصلح سرح بفكره و لم يعد يسمع لشرح خالد عن نشوان واسهابه في وصفه و سرد بطولاته، وفجأة قال : جبتها والله جابك..

- ماهي؟

- انا مستعد ازوجه لكن لدي شرط أن يكمل دراسته ، و ان تتم الخطبة الآن و الزواج بعد التخرج..

- قلنا لك يا حاج مصلح هو موقف من الدراسه..

- عارف بسبب الرسوم..

- طيب؟

- الحل عندي.

- وايش الحل؟

- الحل يوقع لي نشوان ورقه بأنه يدين لي بالمبلغ و أنا سأتكفل بدفع الرسوم الدراسية.. 

هنا قفز المعلم خالد كطفل و جعل يتنطط ويرفع يديه كلاعب كرة قدم سجل هدفاً حاسماً في مباراة الكأس ، وقال : خلاص انت جبت طرف الحل و أنا سأكمل الحل لأجل صرفته و صرفة عائلته..

نظر نشوان الى ذلك الموقف الذي يريد أن يعرف تفاصيله فاستشاط غضباً، و قام بركل خزنة المفاتيح الحديدية و ارتمى على الأرض وهو يتلوى من الألم ، لينسيه ألمه كل شيء للحظات أقبل بعدها العم خالد و وجهه يشع بالفرح ، فأدرك نشوان أن وراء بشاشة وجهه ما يسر، فوقف نشوان على رجل واحده ليبهث العم خالد ..

جلسا جلسة أب و ابنه، وقال له : سنزوجك بلقيس و سترجع لدراستك.. ففتح نشوان عيناه و فمه من الذهول.. والعم خالد يواصل حديثه : ولاجل مصاريفك انت وعائلتك ، وأنا أعلم أنك لن تقبل شيئاً من أحد يتفضل به عليك ، لذلك ستعمل معي في الورشة وما حصلته ثلثين لك و ثلث للورشة ، تعمل بجهدك في الأيام التي ليس لديك فيها محاضرات، والخميس تعمل معنا نصف دوام..

ليقطع حديثهم صوت كأنه انفجار، و يتبعه أصوات مختلطة بين التألم و الاستغاثة و الصياح ، و إذا بأحدهم ينادي من الورشة المجاورة : يا دكتور نشواااان إلحقنا إلحقنا ، فاسرع نشوان إلى ورشة المعلم عبدالله ، ليجدوا أن المكينة التي كانت على الرافعة قد سقطت على ثلاثة من العمال و اصابتهم وكانت صرخات الالم تعم المكان ، التفت نشوان فإذا بعض العمال قد تحلقوا على المصاب الأول الذي أصيب في رقبته بجرح بليغ و هم يربطون على رقبته بقطعة قماش لايقاف النزيف، فتقدم إليهم نشوان ومنعهم ، قائلا وهو يفك ربطة القطعة من عنقه : يعني الراجل اذا ما مات من النزيف بايموت بالاختناق من ربطتكم ، قال المصاب وهو يتألم : انا شاموت يا نشوان، رد نشوان : و لا تموت ولا شي الأمر بسيط، الجرح اذا كان في الرقبة تضغط عليه هكذا بيدك، واخذ يد المصاب نفسه وقال له : اضغط على جرحك بيدك و لا تفك يدك، وأمر اثنين ممن حوله باسعافة فورا الى المستشفى ووصاهم بالانتباه اذا فقد الوعي ان يواصلوا الضغط هم على الجرح بأيديهم حتى يصل الى المستشفى.. 

سريعاً توجه الى المصاب الثاني بالسؤال و هو يتفقده: ماالذي اصابك؟، قال : آه يا نشوان فقط جروح في يدي و رجلي، ادرك نشوان أنها بسيطة، فأمره ان يتوجه الى المستشفى مع المصاب الاول.. و توجه الى المصاب الثالث الذي يصرخ و يبكي من الألم ليجد جرحاً كبيراً في ساقه مع تغير في شكلها ليدرك أنها مكسورة ، فقال : مثل هذه الجروح نربط عليها لأجل تخفيف النزيف، فمزق بنطلون المصاب، واعطوه قطعة قماش فربط على فخذه باحكام ، وطلب قطعة خشب استخدمها كجبيرة، وقطعة قماش نظيفة ربطها على الجرح و الجبيرة ، وامرهم باسعافه.. 

ليرجع الى الورشة مع العم خالد فيقول له و قد ساعده الحادث على الخروج من حالة الذهول : يا عم خالد أشتي أكون اشتغل يوم الجمعه تحسبا للظروف وزيادة المصاريف، كما أنني لست بحاجة إلى اجازة..

خالد : اتفقنا..

ثم جلسا و هما يضحكان و يتبادلان النكات ليقاطعهم الحاج مصلح وقد جاء وفي يده قلم ودفتر ، قائلا : اسمع ياولدي اكيد قد الخبر عندك ، احسب المتبقيات عليك و رسوم هذه السنة و اكتب لي في هذا الدفتر انها في ذمتك والله وكيلنا و المهندس شاهد علينا..

بدون نقاش وبكل امتنان كتب نشوان الايصال و بصم ثم وقع ، ثم بصم العم خالد ووقع ، فأخذ الحاج مصلح الدفتر و ذهب وهو يقول الله يجعل في ذلك الخير ، ثم التفت الى خالد وقال : و موعدنا الليل..

التفت نشوان إلى العم خالد : ماذا ، اي موعد في الليل..

قال خالد : نذهب لنعلن خطبتك أنت و بلقيس مثلها مثل كل بنات الدنيا ، هذه خطبة وزواجة ، فالناس ما يزوجوا أحد هكذا من الشارع فللزواج قدسيته يا ابني ويجب أن تحضر أمك و تقدم الهدايا لعروسك.. 

عندها قام نشوان الى السيارة الليكسز التي يعمل عليها و فتح أبوابها الاربعة و ربط التلفون مع بلوتوث السيارة و جعل حمود السمة يغني و هو يتراقص و يعمل و يمزح مع العمال و يغني معه:

ماقلت لي مشتاق اشوفك مثلما انا اشتقت لك

وانا الذي قد كنت بأجنن واقلب الدنيا عليك 

بعد صلاة العشاء كان نشوان يضم أمه و هو يطلع معها سلم عمارة الحاج مصلح ، ثم يمسك ببالطوه أمه بيد و وامسك بيده الأخرى يدها و يبجلها كأنها اميرة، كانت عيونه تخبرها أنه ما من انثى تستطيع أن تكون أنتي ، فما من أنثى تستطيع أن تكون أمي ، وكانت أمه تضحك و تقول : بس بس بطل حقك البكاش و المصقرة خزيت بي بين الناس وتواصل ضحكها مسروره.. ليرحب بهم الحاج مصلح و يتفق الرجال على كل شيء، ويطلبون العشاء و العصير ، في تلك اللحظات ألبست أم نشوان بلقيس الدبلة و الساعة ، ثم تصاعدت أصوات الزغاريد التي جعلت نشوان يطير من الفرح..

صباحاً،  أخذ نشوان المبلغ المالي الذي استلفه من العم مصلح ، وتوجه مسرعا إلى ادارة جامعته ، ليدفع الرسوم و يتأكد أن بامكانه اللحاق بالدراسة من هذا العام ، فوافقت إدارة الجامعة نظرا لنتائجه الجيده في الاعوام السابقة ، و رجع الى الورشة ماشياً وهو يبتسم و يحمدالله على كل هذا الكرم الذي يغمره به  ، فلما وصل باب الورشة توقف في المكان الذي وقف فيه  منتظراً لبلقيس، واستعاد ذكريات تلك اللحظات ، ليرى أن تلك القُبلة التي أعطاها لبلقيس لم تنقذ حياة بلقيس فقط ، بل انقذت حياته كذلك.. ليقاطعه عمال الورشة و قد تحلقوا حوله وأخذه اثنين على اكتافهم و هم يصرخون ويحتفلون بخطبته : وحقك يا نشوان.. حقك ، وحقك يا نشوان.. حقك..

ثم رجع الى زاويته ونام نومة عميقة بعد سهر الليالي الفائتة، لم يصحو منها إلا فجر يوم الخميس وقام نشيطاً، وقبل ان يصحو الجميع جعل يتنقل بين السيارات و يباشر في اصلاحها ، فلما حضر العمال باشروا عملهم، غير أنهم كانوا يتهامسون على غير عادتهم كأنهم مشغولين بشيء ما ، ولا يتحدثون مع نشوان ، يقوم أحدهم بأخذ سيارة المعلم خالد و يخرج ، ثم يرجع ليخرج آخر ، حتى اثاروا حفيظة نشوان ، حتى جاء وقت المقيل فهدءوا و جلسوا في مقيلهم الذي لا يحضره نشوان عادةً لأنه لا يتناول القات ،تقدم إلى المعلم خالد و قال : يا عم خالد أنا بابدء اشتغل الجمعة من بكرة لأنني بابدء الدراسة من السبت.. فضحك العمال وقال احدهم : ياسلااااام حليتها لنا يا نشوان ، الله يعينك ، اما احنا بانروح بيوتنا من الآن، قال المعلم خالد : تمام، بس معي أنا وأنت مشوار بكرة الصباح و بنتغدا في بيتي، بعدين ترجع تشتغل من بعد العصر ، لم يستطع نشوان الرفض حياءا، فوافقه ثم انصرف..

اليوم التالي ذهب نشوان مع العم خالد صباحاً ، و انجزوا عملهم و صلوا جمعتهم و بعد الغداء قدموا لهم التحلية، فقال العم خالد : ارفعوا التحلية أنا و نشوان سنأكل التحلية في الورشة، ثم صلوا العصر و توجهوا الى الورشة ، ولاحظ نشوان ان المعلم خالد كان يجري اتصالات غريبة ، و بعد أن وصلوا الى الورشة كانت المفاجأة ، لم تكن الورشة جاهزة للعمل ، بل لم تعد الورشة ورشة ، فقد أصبحت أشبه بصالة العرس ، فقد استأجر العمال الفرش و المداكي و الوسائد الفخمة ، و الزينه كانت تزين أرجاء الورشة بالانوار الملونة و بالورود ، و كل معلمي ومهندسي و صبيان شارع الورشات حاضرين بثيابهم الأنيقة وكلهم فرحاً و بهجة ، والاجهزة الصوتية متوزعة في الزوايا ، فلما دخلت سيارة المعلم خالد من باب الورشة.. نهض الجميع نحو السيارة و هم يصفقون و يتمايلون ويصيحون.. و اشتغلت الصوتيات :

الا لا ساعة الرحمن ذلحين.. و الشياطين غايبين 

وبعد الزفة رقص الجميع على صوت الفنان فيصل علوي ، حتى اوصلوا نشوان إلى مكانه المعد لجلوسه ، و عندها قام أربعة من العمال الى سيارة وقفت عند باب الورشة، ليدخلوا ومعهم تورتة كبيرة كأول تورتة تدخل إلى شارع الورشات ، و كتب عليها " الف مبروك الخطوبة يا دكتور نشوان" وتقدموا بها إلى امام نشوان ، لكنه قبل ان يقطعها نظر نظرة في نافذة الحب و ابتسم ، فقطعها و الصمت يخيم على المكان و العيون تحدق نحوه فرحاً ، ليقطع قطعه صغيرة ثم يرفعها في الهواء ويشير بها الى بيت الحاج مصلح ثم يأكلها ليقطع صوتهم زغرودة تأتي من الجانب الآخر للشارع، فيهيج الجميع بالتصفيق و الهتاف و التباريك ، وحقك يانشوااان.. حقك.. ثم يجلسون جلسة فرح وغناء و كأنهم يفرحون لأول مرة.. 

بعد ان غادروا دخل نشوان إلى زاويته و بدء يراجع ما الذي سيفعله غداً ، ويتذكر قائمة احتياجاته حتى لا ينسى شيء، فكر كيف سيجلس في قاعات الدراسة مع زملاءه الجدد و كيف أن زملاءه السابقين سيكونون على اعتاب التخرج، غير أنه لم يكمل حبل أفكاره ولم يدرك نفسه إلا مع المنبه يوقظه صباحاً ، فقام و اعاد هندامه و توجه إلى جامعته.. 

دخل إلى كليته وتوقف عند كل مكان له معه بعض الذكريات، ثم يمر ليتخلص من ثقل الذكريات ليمضي إلى الأمام.. وصل إلى القاعة التي سيحضر فيها أولى محاضراته ، جلس على مقعده و بدأ يسترجع معلوماته في رأسه و يحضر دفتر الملاحظات حتى لا يفوته شيء مما سيقوله المحاضر ، ليقاطعه صوتاً ناعماً من المقعد الذي وراءه و كأنه موسيقى باذخه لها الكثير من الذكريات، سرت معه قشعريرة في جسده ، كان يناديه بصوت عذب : نشواان نشوااان ، لم يشأ أن يلتفت لعله يستلذ مرة أخرى باسمه و هو يغنى به بنغمة لم يسمع بها من قبل وكأنه يسمع اسمه لأول مرة.. 

 فنادته مرة أخرى : نشوااان، نشواان...

فالتفت لتكون المفاجأة ، وتحدق عيونه في دهشة : ماذا ،بلقيس؟

- نعم بلقيس..؟!


الكاتب عمار قائد التام 

#تخديرة🩺

تعليقات