سعمة الحياة - 6 -
( الحلقة قبل الأخيرة )
عاش نشوان حالة من الارتباك و الضغط النفسي،حينما عجز عن التعرف على زملائه الذين هشوا و بشوا عند رؤيته ، انعكس ارتباكه كآبة و ضيق على من الغرفة، تترافق مع لحظات من الصمت والدموع.. يكسر الصمت سؤال الدكتور : كيف عرفتم أن اسمه نشوان وهو فاقد الذاكرة..
الحاج يحيى: تذكر اسمه عندما ذكرت له اسم نشوان الحميري..
الدكتور : اذن ابشروا، سيتذكر كل شيء وستعمل معه الاماكن و الاشخاص كجزء من المنبهات التحفيزية.. فقط يجب ان نتأكد من حالة دماغة بعمل أشعة مقطعية..
تم اسعاف بلقيس برفع ارجلها و رش وجهها بالماء، تعافت، تقدمت نحو نشوان تحدثه ، كانت تحدث غائباً حاضر ، شاردُُ يلجأ لرأسه لإحضار ذكرياته فيضيع في دهاليزها المظلمة و انحناءاتها الفارغة..تخرج معه لعمل الاشعة المقطعية، أدخلوه الجهاز، تفصله نافذة زجاجية عن الدكتور وزملاءه ، يجد الدكتور بعض بقع الدم الصغيرة المتجلطة، الدكتور باشمئزاز : كأنه تعرض للضرب على رأسه بشيء مطاطي لا يترك جروح بل يسبب النزيف ، لكن هذه البقع لا تحتاج إلى التدخل الجراحي..
يخرج نشوان من غرفة الاشعة، فإذا أمه ترمي بنفسها عليه، تحتضنه، تقبله و تبكي : ابني، حبيبي، دورنا عليك في كل مكان و ماكان احد يرد علينا بكلمة تطمن قلوبنا، لجأت الى ربي و دعوته، ومااحد ردك غيره..
حدق فيها نشوان، انعطف ببطئ وضمها إليه ، استنشق رائحتها ثم انفجر باكياً ، احتضنها أخرى و صاح : ايوه أمي ، تلفت حوله بدموع الفرح ، أيوه تذكرت أمي ، هذه أمي..أخذها بيده، مشى خطوات ، مر بجانب المعلم خالد ، مشى بضع خطوات، توقف والتفت، رجع ببطئ ممسكاً رأسه، ثم قفز إلى حضنه : عم خالد، أنت العم خالد.. واجهش الجميع بالبكاء..
عادت بلقيس بالفحوصات، ناداها : بلقيس.. فسقطت الاوراق من يدها، وضعت يديها على خديها وصاحت: تذكرتني .. تقدم نحوها : أيوه تذكرتك، يالله ما احلاها من لحظات وانتم تعودون لي ، يسرح قليلاً كمن يتأكد ويصيح : أي والله بين اتذكركم .. احبكم، احبكم كلكم طبعاً..
خرج الدكتور من الأشعة ، جرى نحوه نشوان مبتهجاً : تذكرت يا دكتور، تذكرت أمي ، تذكرت محاضراتك، تذكرت كل شيء..
أخذه الدكتور بيده، أدخله مكتبه، لحقه الجميع ، حدثه عن ذكرياته، فكان يسردها واحداً تلو الآخر ..
الدكتور : ماهو آخر شيء تتذكره بعد خروجك من المستشفى؟
نشوان : آخر شيء اتذكره رؤية بلقيس تنتظرني عند سيارة المعلم خالد..
الدكتور : هل تتذكر من أختطفك حينها او اين سجنوك ؟
نشوان : لا اتذكر شيء..
حاول الدكتورانعاش ذاكرته لتلك الفترة لكنه لم يتذكر شيء ..
الدكتور : الآن اتضحت لي الامور، نشوان يعاني من فقدان الذاكرة التقدمي مما افقده القدرة على تكوين ذاكرة للماضي القريب من الحادث و ما حصل بعدها، و لا يزال هذا النوع من فقدان الذاكرة غامض بشكل كبير، ولكن لا ادري يا نشوان أيهما افضل بالنسبة لك، نسيان الحادث، أم تذكره؟، هذا يرجع لك أنت ونفسيتك..
يخرجون من المكتب، يلتقون بالحاج يحيى و زوجته أم صالح، يحتضنه نشوان و يقدمه لزملائه واهله : اعرفكم و أقدم لكم عائلتي التي آوتني و احتوتني ، عمي الحاج يحيى و أمي الثانية ام صالح، اقبلت ام نشوان تحتضن ام صالح و تشكرها..
الحاج يحيى : استئذنكم سنأخذ نشوان معنا ،و اسمحي لنا يا ام نشوان احنا مش قادرين نستغني عنه..
نشوان على استحياء : ياعم يحيى، أنت قدك سمعت ان أنا طالب طب..
قاطعه الحاج يحيى : عارف و تشتي تدرس في صنعاء، وما بتقدر تجي معنا القرية، ومن قال لك ان احنا بنرجع القرية بعد كل هذه الاخبار الحلوة..
نشوان : أين بنروح؟
الحاج يحيى : المستأجر الحمدلله اليوم فرغ الفلة حقي، وأنا و أم صالح بعدما سمعنا قصتك قررنا نجلس معك و نستقر سوا..
بلقيس : أيوه أكيد بيمشي معكم، تلتفت إليه: نشوان أو باتفقد فرش الورشة المدهون بالزيت الحارق..
ام نشوان : امشي ياابني معهم، قدهم اهلك، نفسي اطمئن عليك وارجع القرية ياولدي الله يحفظك..
نشوان يريد عذراً يتملص به من الذهاب معهم تجنباً للاحراج : يا عم يحيى، اتمنى الا يكون بيتك بعيد من الجامعة، اين هو البيت؟
الحاج يحيى : مش بعيد أبدا، هو في بداية الطريق الزراعي المتفرع من شارع الورشات.. فضحك الجميع..
يرجع نشوان لدراسته بشوق اكبر و طموح لا يحده حدود، صبح في أول يوم له على صاحب الكشك : صبحك الله بالخير ياعم حمود..
حمود : صبحك الله بالرضا و القبول.. اهلا ياابني الحمدلله ذي زد تطمنا عليك..
نشوان : لا تقلق ياعم حمود هي مقادير مكتوبة..
حمود: الله المستعان ياولدي، لكن ابعد لك من المشاكل و عيال الحرام..
نشوان : ياعم حمود و الله ان قد بين اسوي جهدي، لكن انا واحد من هذا الشعب الذي ماعاد بيدري من اين بتجي له كل هذه المشاكل.. واستئذنك خليني الحق المحاضرة، خاطرك..
حمود : الله يوفقك يا ولدي ويجنبك عيال الحرام وبنات الحرام..
وفي يوم من أيام الدراسة، كانت بلقيس تنتظر نشوان كالعادة عند بوابة الجامعة بعد المحاضرات ، تأخر عليها نشوان ، فاقتربت قليلاً من حارس البوابة الذي يتحدث مع العم حمود صاحب الكشك لتستمتع بحديثهم البسيط و التلقائي ، ناداها نشوان من الخلف ، نظرت نحوه ،ثم التفتت مفزوعة لصوت فرامل سيارة حبة توقفت فجأة بجانبها و فُتِح بابها، نزل منها شخصان ملثمان، اراد أحدهم جر بلقيس إلى السيارة، فصاحت صيحة المستنجد من الموت..
أسرع نشوان نحو أحدهم ، فوكزه ببندقه حتى اوقعه.. حارس البوابة يتصرف كجندي محترف حيث تمترس وراء الحاجز الاسمنتي الذي يفصل خطي الدخول و الخروج من وإلى الجامعة، ثم اطلق رصاصة تحذيرية نحوهم، اربكهم وهو يصيح : فلتها يابن.... والا والله مايبقى منكم واحد..، حينها ادركهم العم حمود بعصاه وبادر بضرب المثلم القريب منهو بلقيس لا زالت تقاومهم و تضربهم بحقيبتها ، أطلق الحارس رصاصتين مباشرة على السيارة، حينها رموا بلقيس على الرصيف وولوا هاربين..
اجتمع الطلاب حول بلقيس وهي مرعوبة ترتجف و تبكي، اعطوها الماء، قام إليها نشوان وهو يتألم ، رافق الحراس و بلقيس إلى مبنى أمن الجامعة لتسجيل البلاغ و رفعه، لم تستطع الكلام، اخبرهم نشوان برفع البلاغ كمحاولة اختطاف وتركها حتى تهدأ، ثم ذهبا ..
ساروا قليلاً، فإذا بلقيس تفاجئ نشوان بالحديث : لقد عرفت واحد منهم.!
نشوان مصدوماً : أيش ؟، وليش ما كلمتي الحراس؟
بلقيس متنهدة : هو اخي عبدالعزيز يا نشوااان، ايش ابلغ على اخي ، باتكون كارثة في بيتنا..
نشوان : ايش ايش ، عبدالعزيز اخوك؟!!
بلقيس : ايوه اخي عرفته من جنبيته ، هو معارض لدراستي في الجامعة، و لو ما عاد ابي حي كان فعل بي الافاعيل، وقد هددني اكثر من مرة وقال لي مابش عندنا بنات تروح الجامعة..
نشوان تكسو ملامحه الدهشة : بس كيف، ليش عاده يشتي يخطفش؟!
بلقيس : هو ما يخاف الله، ولو اغلط غلط بسيط كان قد قتلني..!
نشوان : طيب ضروري نكلم عمي مصلح..
بلقيس : لا لا، انت انسى الموضوع، ولو ابي يعرف بنزيد في مرضه و عياه، يكفي ما بيفعلوا له من مشاكل..
تصعد على الباص و يصعد هو الباص الاخر ، جلست جوار النافذة، ركبت بجانبها امرأة عجوز، ألصقت بلقيس رأسها بزجاج النافذة و هي تدمع غيظاً، تحرك الباص، بدء السائق بتوليف جهاز الراديو للبحث عن اغنية يلطف بها اجواء الباص، و يتنقل بين اغنية و اخرى حتى اطفأ الراديو نهائيا بعد انفجار بلقيس بالبكاء، ارتفع صوت نشيجها، خيم الصمت على ركاب الباص ، اقتربت منها العجوز و ضمتها إلى صدرها ، زاد السائق من سرعته ورفض التوقف حتى أوصلها إلى البيت.. نزلت مسرعة، صعدت إلى البيت، فتحت لها أمها الباب كعادتها، قفزت إلى حضنها ، تبكي بحرقة، وقبل أن تسألها أمها عن سبب بكاءها بادرتها : ليش انجبتيني بنت.. ليش ما جبتيني ولد ليش؟
أم بلقيس : احنا بنحمدالله يابنتي على ان الله جابك بنت، انتي فرحتنا الباقية من الدنيا..
بلقيس : طيب، ليش بيعتبرني اخوتي عار، هل أنا عار؟
ام بلقيس : من قال انك عار، والله انش تاج راس أبوك و تاج راسي ، أنتي فخرنا و فرحتنا الباقية، والا بمن نفتخر باخوانش الصعاليك..ضمتها لصدرها،وواصلت حديثها :وليش علمناش و ربيناش؟!، إلا وانتي تسوي الف رجال، ثقتنا فيش كاملة، انتي ظهرنا الذي بنقويه للزمن.. وبعدين او قد أحد من اخوانك عمل لك شي.. ؟
تقاطعها بلقيس : لا مافيش حاجة يا أمه، تمسح دموعها، بس واحد ضرب أخته قدامي وتأثرت..
انسحبت الى غرفتها تجر معها احزانها، لم تكف عن سؤال نفسها عن العار الذي يجلبه اخوتها لأبيها؟ ،لماذا يظلون يفكرون في الأنثى كخطيئة؟ ، لماذا ينسون أنهم غارقين في الخطيئة؟، تمسح دموعها، تقف بتحدي، تحدث نفسها وهي ترتب كتبها :
- والله ما يقهروني..
- اهم شي ابي هو ثوب عافيتي و فخري..
- والله ما انكسر ، وليش انكسر أمام كم من ساقط..
- لازم أكمل تعليمي فهو حصني ودرعي لو مات أبي، و ترفع يديها : يارب طول عمر أبي حتى يزوجني بنشوان، يارب لا تجعل لاخوتي سلطة عليّ يارب..
و تمر الأيام و الشهور، يكملون امتحاناتهم، ثم يستأنفون مسيرة تحصيلهم العلمي باجتهاد و توق ليوم التخرج.. عاش نشوان أياماً سعيدة مع الحاج يحيى و زوجته أم صالح التي تعافت تماماً، لكنه لم يترك عمله يوم الخميس و الجمعة في الورشة التي كانت تدر عليه رزقاً جيداً يرسله لأمه..
وفي أحد أيام الدراسة ، خرج نشوان من الجامعة بعد المحاضرة الاولى لأجل بعض حاجته ، لحقه زميله علي بسيارته مع مجموعه من بلاطجته ، استأجر نشوان دراجة نارية لاستغلال الوقت، لاحقه علي حتى قطع الطريق على الدراجة و اوقفه ، ترجل علي مع بلاطجته، توجهوا نحو نشوان الذي بدء بالتراجع وهو يرى الشر في عيونهم..
نشوان : هيا ما تشتي مني يا علي، اقصر الشر و روحوا لكم..
علي : عادك بتسأل ما نشتي، وأنا بسببك رسبوني الدكاترة الذي بيحبوك، و أنت من حرمني الحب..
نشوان : وليش ترسب بسببي، أنا ما قلت لاحد يرسبك..
علي : أنا داري ان انت السبب، وأنت عقدتي في الحياة اللي لازم انقضها..
يقطع حديثهم صوت فرامل شاص توقفت بجانبهم فجأة، نزل منها مجموعة مسلحين، وقفوا وراء رجل يلبس الزي الشعبي، مدجج بالسلاح ، و يرتدي نظارة شمسية، تقدموا نحو الشباب، دب الرعب في نشوان وارتعدت فرائصة..
انحازوا باتجاه علي و أحاطوا به و نشوان يتفرج بعيون تزغلل من حيرتها بعد أن كانت متسعة من فزعها..
سمع كبيرهم و هو يعزي علي في وفاة والده، تحرك بينهم علي كحبة في مقلاه، ثم جثى على ركبتيه وبكى، تركوه يهدأ ثم أخذوا بيده ليركب معهم ، ناداه نشوان وهو يضع رجله على السيارة و الاخرى على الارض : يا علي ،إحنا رجال و الرجال عند احزان خصومها تنسى احقادها.. عظم الله اجرك واحسن الله عزاك، أنا اعرف ايش يعني فقد الأب ، واذا لك أي خدمة أنا رهن الاشارة..
- نكس علي وجهه، واغلق عليه باب السيارة وغادر..
#تخديرة🩺
* و إلى اللقاء في الحلقة الأخيرة

تعليقات
إرسال تعليق