عودة مسعود
( قصة قصيرة )
جلس مسعود على صخرةٍ كبيرةٍ أعلى التل ، تشرف على وادي الردود الذي تم تسميته بذلك لكثرة مواسم زراعته فما يكتمل حصاد محصولحتى يردوا عليه محصولاً آخر ، كانت الشمس تنشر أشعتها الذهبية توشك على المغيب ، توضع في جلسته ، ثم وضع يده على خده يتحسسالصفعة التي صفعه أباه لتأخره عدة دقائق في المخزن ، دلدل أرجله في الهواء ، و جعل يحدث نفسه و عيناه تغرورقان بالدموع ..
- لماذا لسنا مثل كل الناس ؟
- أبي يملك الكثير من المال ، لكنه كلما توسعت تجارته إزداد بخلاً و قسوة ..
- لم يكن هذا الملطام الأول و لن يكون الأخير .. و لن يعتذر ..
تأمل الوادي و الفلاحين يجمعون علفهم ، و الرعاة يسوقون مواشيهم في طريق العودة ، يرى أمامه الوادي كقطع السجاد الأخضر ، تفسدالمنظر بقعاً قاحلة هي أراضي والده التي تركها و اشتغل بالتجارة ، تنهد و هو يتمنى لو يتركه أباه للقيام بفلاحتها لعله يرتاح من العمل معهفي التجارة ..
عاد من شرود ذهنه على نداء جارهم الحاج أحمد وهو يناديه من على الطريق المارة من بطن التل وتحت الصخرة :
- هيا و أنت ما جابك يا عاصي والديك ، أو إلا جيت تتفرج على نهيبة أبوك ذي كوش عليها بفلوسه ، ثم إلتفت إلى حماره و لكزه برجليه: حي حي ..
- ياعم أحمد ..
- أنا مش عمك لك العمى أنت و أبوك ..عاده جاء يقلي عم ..
- أيش دخلي من أبي ؟
- سبلة الكلب من حاله يا حيد أبوك ..
يلتف الحاج أحمد على الصخرة و باختفاءه عن عيون مسعود ينتهي حديثهما الذي لا ينتهي ، يحسبل مسعود و يقول : الله يسامحك يا أبهذي خليت الناس كلها تكرهنا ..
يدوي صوت أذان المغرب و يتردد صداه في أرجاء الوادي ، يعود مسعود إلى البيت يجر أذيال القهر ، يمسح عيونه مراراً و تكراراً ليمحيآثار البكاء ، لكي لا ترى ذلك أُمَّامه ( هكذا تعودوا على أن ينادوا أمهم بأمامه لتمييز نداءها عن نداء جدتهم قبل أن تموت بـ : أمه )، شد ثوبهو أصلح حزامه ( الكمر ) ، بصق على يديه و مسح بهما على شعره ليرتب شعره الكثيف ..
دخل باب الحوش و أمه تنتظر على دكة باب البيت ، تسند مرفقيها على ركبتيها و تضع يديها على خديها ..
- ما قد فعل لك مكسور الناموس ؟
- من هو يا أمامه ، ما قد به ؟
- أبوك ..
- أيش فعل ؟
انتفضت من مكانها ووقفت تتحسس ابنها مسعود ، و هي تتحدث :
- ما تجي هذه الساعة و لا تفلت عملك إلا من قهر ، ابن بطني و أنا عارفه به .. لكن توضأ و سير صلي مغرب و أنا باشوف شغلي معه..
يأخذ مسعود غَرفةً من برميل الماء الموضوع طرف الحوش و يتوضأ و أمه تحدق فيه ، يدخل سعيد أخوه الأصغر من باب الحوش و يصيح :
- يا أُمَّامه أبي لطم مسعود قدام الناس و سب عليه ..
- قد أنا قلت هكذا ، لكن عاد جملي يخفي عليّ ..
- و أنت ما جابك يا قناة الجزيرة ..
- قال ( أبابه ) إن معه ضيوف مهمين بعد العشاء ، جهزي عشاء ..
ينطوي الوقت ، أبو مسعود يستقبل الضيوف و يرحب بهم ، يجلس معهم و يتحدثون عن صفقةٍ تجاريةٍ كبيرة ، اتفقوا على كل شيء ، اعطواأبا مسعود كيساً أسود به ثلاثمائة ألف دولار هي مقدم الصفقة ، و بجانب تلك الدولارات رصاصة ، أخذ أبو مسعود الكيس و الرصاصة وهو يبتلع ريقه ، ثم خرج من المجلس ، وجد إبنه مسعود في الصاله ، ناداه بجلافة و قال له :
- ها خبيله ، شلها و ادها لأمامه ..
أخذ مسعود الكيس و خرج من البيت ، ثم عاد بدونه ، و بعد أن أكمل أبو مسعود حديثه مع ضيوفه و ودعهم ، ذهب لأم مسعود و سألها عنالكيس الذي أعطاها مسعود ، فأجابته أنها لم ترى أي كيس ، فسألها مرتبكاً :
- أين هو مسعود ؟ يا مسعود ..!
- أيوه يا أبابه ..
- أين كيس الفلوس الذي قلت لك تديه لأمك؟
- أنت قلت لي اوديه القمامه ..
- لا تجنني ، قلت لك تسلمه لأمامه مش للقمامه ..
يضحك مسعود مهستراً و يقهقه قائلاً:
- أمزح معك يا أبابه ، أنا ساير أجيبه لك الآن..
خرج مسعود من باب الدار ، نظر خلفه و أباه يضع يده اليسرى على جنبيته و يفرك بأصابع يده اليمنى شعر لحيته .. خرج أبو مسعود رمىبجسده على دكة باب البيت يحدق في الظلام منتظراً عودة مسعود ، لكن مسعود لم يعد ..
الكاتب عمار قائد التام
#تخديرة 🩺

تعليقات
إرسال تعليق