جمعان .. رجل النور و المنارة

 




جمعان .. رجل النور و المنارة


بقلم دعمار قائد التام 


كنت صغيراً عندما سمعت عن إسم جمعان، و الذي تشرفت به (مدرسةًأولاً، و ذلك قبل أن أتعرف إليه (شخصاًمتمثلاً في الوالد المرحوممحمد أحمد جمعان باني و مؤسس ذلك الصرح العلمي البارز على مستوى الجمهورية اليمنية، و المشروع الشامة على خد رداع ومديرياتها السبع ( مدرسة جمعان الثانوية )، و التي أصبحت كعبةً للتميز و منارة للتألق و الإبداع، تشد إليها الرحال من كل قرى المنطقةللدراسة فيها، حتى أن الدراسة فيها أصبح حلماً لي و لا بد من تحقيقه، و عندما جاء الوقت لم يكن ذلك حلماً لي فقط بل كان حلم جميعرفاقي في الفصل، قررنا حينها بالانتقال و التسجيل في مدرسة جمعان، لكن مدير المدرسة حينها رفض اعطاءنا ملفاتنا بدعوى أنه لن يبقىفي المدرسة فصلاً للثالث الثانوي، و تم الضغط علينا، لكن الحلم كان أكبر من الضغوط، و أصررنا على المضي قدماً، و انصاع الجميعلرغبتنا، و تم إغلاق فصل الثالث الثانوي في مدرستنا السابقة في ذلك العام، ليصبح ذلك الإسم ( جمعان ) ملازماً لي طوال حياتي ( خريججمعان )، و كان ذلك مصدر فخرٍ لي و لجميع زملائي..


قابلت الوالد المرحوم محمد أحمد جمعان مرتين في حياتي، في المرة الأولى كنت برفقة أحد وجهاء  المنطقة، تحدث مع بعض وجهاء المنطقةعن أهمية التعليم، و لكنني في تلك اللحظة لصغر سني لم أفقه كثيراً مما تحدثوا فيه، إذ كنت مأسوراً بِسَمْته الحَسَن و أناقته المذهلة ، كانمهندماً بشكل يسلب العقل، تنسيق الألوان بملابسه كان مدهشاً، كان مهتماً بالتفاصيل في أناقته، دقيقاً في انتقاء ألفاظه كدبلوماسيٍ رفيعيتحدث لنظيره لا يتحدث لمجموعة من القبائل الذين لا يعنيهم ذلك، و لعل تلك الصفة ( الاهتمام بالتفاصيل ) كانت ملازمة له في حياته، فقددرست في مدرسة جمعان وهي المدرسة التي بناها على حسابه الشخصي، ووجدت فيها اهتماماً بالتفاصيل، و كما يقولون أن الشيطانيكمن في التفاصيل، لكن من قالوا ذلك لم يستطيعوا القول أن الشيطان يكمن في التفاصيل، فقط إذا تم إهمالها، لأن هناك مقولة أخرىمفادها : ( الإبداع يكمن في التفاصيل )، و أظن هذه المقولة كانت ديدن المرحوم محمد أحمد جمعان، فقد أهتم بما وراء التفاصيل كذلك، إذكان الموقع الاستراتيجي لمدرسة جمعان الذي يجعلها على تلة مطلة على ما حولها، كما كانت حينها بعيدة عن المدينة و عن ضوضاءها، ثمفي بناء المدرسة حيث تجدها ذات فصول واسعة و فناء واسع، حتى المقصف كان مميزاً و مذهلاً، المعامل المجهزه، كما توجد قاعات كبيرةللمحاضرات، حيث أنه خلال دراستنا كانت المدرسة تستضيف دكاترة من الجامعة لإلقاء محاضرات علميه علينا، كل تلك التفاصيل كانوراءها بدون شك رغبة المؤسس و الممول و الباني ( محمد أحمد جمعان ) الذي بنى مدرسة جمعان و كأنه يبني حلماً له، فجعله صرحاًمذهلاً..


و خلال دراستي في مدرسة جمعان الثانوية قابلت المرحوم محمد أحمد جمعان للمرة الثانية، هذه المرة اقتربت منه أكثر، حيث إنني قدتشبعت مسبقاً بكثير من الإجابات عن أسئلتي عنه منذ لقاءنا الأول، فعرفت من الناس عنه النجاح في مجال الأعمال، و إهتمامه الكبيربرداع، كما حصلت على إجابةً على أحد أسئلتي عن سبب تضمين الشاعر عامر زيد أبو صريمة ذلك البيت الشعري في قصيدته رداعالقائل : 

كانت تولع نايلون ملوَّن

من يوم كانت كهرباء اللازينة

لأعرف حينها أن رداع كانت أول مدينة ( في اليمن الشمالي ) أضيء فيها نور الكهرباء و كان هذا الانجاز بمجهودات الحاج محمد أحمدجمعان، و لعل إهتمامه ذلك بالنور لم يكن محصوراً على إنارة الشوارع، فقد أبدى اهتماماً كبيراً بإنارة العقول، فبناء مدرسة جمعان الثانويةلم يكن إلا اهتماماً بالعقول لإضاءة مستقبل المنطقة، فكان بحق رجل النور و المنارة..


اقتربت منه مع مجموعة من الزملاء و سلمنا عليه، فكان هادئاً تتحدر الكلمات من فمه في أدبٍ جم، يسأل عن حالنا في مدرسته و هلينقصنا شيء يعيق تحصيلنا العلمي، لم ينتظر منا كلمات الشكر، و لم يطلب منا أحد أن نستقبله و نشكره لكي نقوم بتحفيزه، فقد كانمليئاً بالشغف لدعم المدرسة بكل ما استطاع، وهذا ما كان فقد بدأ بعدها بتشييد الدور الثاني للمدرسة، و لم يقف عند ذلك بل أعلن حينهابتخصيصه جائزة للمتميزين و الأوائل من خريجي المدرسة، حتى أصبح بعدها حفل الجائزة مهرجاناً يشار إليه بالبنان..


و لأن روحه هي من نسج حلم بناء مدرسة رائدة و متميزة، فقد كانت مدرسة جمعان و لا تزال منبراً للعلم يتخرج منها الأذكياء و المبدعين، إذإن مدرسة جمعان أصبحت مع الزمن بمثابة المصنع الذي يصنع المواد الخام ذات الجودة العالية، و يقوم بتصديرها إلى كل العالم، ثم ماتلبث تلك المواد الخام حتى تعود منتجات ذات قيمةٍ كبيرة و أكثر تخصصية، و لعل روحه المفعمة بالنجاحات و المنسوجة بتلك الحجارة الورديةو المزينة بالأحمر، هي ما يعطي ذلك المبنى تلك الطاقة العجيبة التي تجعل منها مصنعاً للناجحين على مدى قرابة الثلاثين عام، نَفَسه الذيكان سخياً بطرحه على ذلك التل ليذكر كل طالب ألا يقبل إلا بالرقم واحد، حتى أن المدرسة تكاد تفسر لي معنى قول الله تعالى : ( فَأَمَّا الزَّبَدُفَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.. ) سورة الرعد الآية١٧..


مشروع مدرسة جمعان لم يكن مشروعاً لصف الأحجار، بل كان حلماً لبناء الأجيال و تسليحها بالعلم و المعرفة، و قد تكلل ذلك الحلمبالنجاح، حتى أصبحت مدرسة جمعان رائدة على مستوى الجمهورية، و أضحت نموذجاً يقتدى به، وتجربة تستحق الإشادة و الدراسة، ورغم أنها مدرسة حكومية مثلها مثل المدارس الأخرى، إلا أن روح التنافس و التحفيز التي تم تنميتها في المدرسة، جعل خريجيها يتصدرونالمحافل، و كمثالٍ  على ذلك و خلال دراستي للصف الثالث الثانوي في مدرسة جمعان، حصدت مدرسة جمعان المستوى الثاني على مستوىمحافظة البيضاء في المسابقات العلمية بين مدارس المحافظة، و لكن يمكنك أن تتعرف أكثر على تميز هذه المدرسة وتألق منسوبيها، فما عليكإلا أن تعرف أنني كنت من بين تسعة من خريجي المدرسة حصلنا على منح دراسية للدراسة خارج اليمن، و ذلك من جملة أحد عشر منحةدراسية تم تخصيصها لمحافظة البيضاء، كل ذلك يعود فضله لتلك الروح الراقية التي سعت لترتقي بالإنسان الرداعي، فرحم الله الوالد محمدأحمد جمعان، رجل الأعمال الناجح، دينامو الخير الصامت، و مجموعة الذوق الرفيع و الأخلاق الفاضلة، و لينم في قبره بسلام، فتلك اللبناتالتي وضعها على الأرض و استهدف بها بناء العقول ما زالت وستظل تدعو له، فكم أرض وطأها أبناؤك، خريجي مدرستك، علماً و تألق،حتى إنه من الصعب حصر متتالية صدقتك الجارية، والتي قد تجد طبيباً من أبناءك يعالج فقيراً في افريقيا، أو ينفع الانسانية في أرقىالمختبرات  العلمية في أوروبا، أو يهندس برنامجاً حاسوبياً تنتفع به البشرية ويسهل عليها سبل العيش، نم قرير العين و رحمة الله تغشاك..




تعليقات